فهذه كانت أمورُ الزواج في الحياة النبويَّة، وكانت المرأة تتزوَّج بسهولة، والرجل يتزوَّج بسهولة، مثلًا الرجل استشهد، ونحن نعرف أنَّ عصر النبوَّة عصرُ جهاد؛ فالنبيُّ - عليه الصَّلاة والسَّلام - غزا سبعًا وعشرين غزوة شهِدَها بنفسه، وبعث بضعًا وخمسين سَرِيَّة بعث فيها الصحابة، وكان هذا في تسع سنوات، فكانت الحياة بهذه الصُّورة، وهذه الحروب أدَّت إلى شهداء، والشُّهداء وراءهم أرامل، هؤلاء الأرامل كنَّ يتزوَّجن بسهولة بعد استشهاد أزواجهن أحيانًا، الآن نجد أنَّ المرأة إذا مات زوجها، لا تتزوَّج، وكأن الزواج عيب.
نموذج: أسماء بنت عميس - رضي الله عنها:
أسماء بنت عُميس هي مثالٌ يجب أن تَحتذي به كلُّ امرأة وفتاة في عصرنا الحاليِّ، وقدوةٌ حسنة لكلِّ أمٍّ؛ حيث تُعطي دروسًا في تنشئة الطِّفل الصالح، ومدرسة لكلِّ زوجة قدَّمَت دروسًا في الإخلاص والوفاء للزوج.
كانت زوجةً لجعفرِ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - زوجةَ جعفرٍ الطيَّار، ابن عمِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد استُشهِد زوجها في غزوة مؤتة [1] ، وهو أحد القُوَّاد الثلاثة الذين استُشهدوا في مؤتة.
فانتهت عدَّتُها وتزوَّجَها أبو بكر - رضي الله عنه - وبعد أبو بكر الذي عاش بعد جعفر سنتين ونصفًا، وعندما توفِّي أبو بكر، خطَبها عليُّ بن أبي طالب وتزوَّجَها، وكان عندها أولادٌ من جعفرٍ، وأولادٌ من أبي بكر، وأولاد من عليٍّ، وكان أولادها يأتي كلُّ واحد يقول للآخر: أنا أبي خير من أبيك، وحينما تحتدُّ بينهم المنافسة، يحتكمون إلى الأم، فكانت تحل المشكلة بفِطْنة وحكمة؛ تقول لهم: أبو بكر سيِّد الشُّيوخ، وجعفر سيِّد الكهول، وعليٌّ سيِّد الشباب، وتُرضي الجميع، فكانت الحياة فطريَّة، والأمور سهلة؛ ولذلك لَم تكن العنوسة مشكلةً، ولا العُزُوبة مشكلة في هذا المجتمع المسلم، الذي يُعدُّ نموذجَ المجتمعات [2] .
(1) غزوة مؤتة: جرَت الغزوة في جُمادى الأول من العام الثامن للهجرة (أغسطس 629 م) ؛ بسبب قتل الحارث بن عمير الأزديِّ رسولَ الرسولِ محمد إلى ملك بُصْرى، على يد شُرَحبيل بن عمرو بن جبلة الغسَّاني، والي البَلْقاء، الواقع تحت الحماية الرومانية؛ إذْ أوثقه رباطًا، فقدمه، فضرَب عنقه.
(2) د. يوسف القرضاوي،"العنوسة والعزوبة وكيف عالجها الإسلام".