فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 80

وكنتُ - رغم تعلُّمي - ساذجةً غريرة، تُعْوِزني التجرِبة والخبرة بالحياة، فصدقت الزعمَ القائل بأن سعادة الفتاة الجديدة، رهنٌ بتحرُّرِها من أوهام العاطفة، وأغلال الزوجيَّة، حتى تجاوَزْتُ الأربعين.

وقلَّ الطارقون من الرِّجال.

في هذا العمر اطمأنَّ والدي، فرفع قيود الحراسة، وكفَّ عن إلقاء دروسه عليَّ، وخلَّى بيني وبين الحياة، وفي حسابه أنه أمَّن مستقبلي، وضمن نجاتي، وأراحني من عجز أنوثتي، وجعلني - كما شاء - رجلًا.

الواقع أنِّي لا أدري، ولستُ أدري؛ متى بدأ الشُّعور بالتعاسة يتسلَّل إلى أعماقي، فلم أنتبه إليه إلاَّ بعد أن توغَّل واستفحل؛ فقد كنت مزهوَّةً بما أُتيح لي من حظٍّ وافر، ولم تَكد الدُّنيا تسَعُني يومَ رُقِّيت إلى منصب مديرٍ عامّ، وجلستُ على مكتبي أدير شؤون مملكتي، وألقي أوامِرَ لِتُنفَّذ، أُبدي رغباتي لِتُطاع، وبين يديَّ عددٌ من الموظفين والموظفات يأتمرون بأمري، ويتملَّقون غروري، ويتحرَّوْن رضاي.

إلى أن شعرتُ بإحساسٍ طارئٍ من القلق المَشُوب بالزُّهد، فلم أُلق إليه بالًا، وحسبتُه لا يعدو أن يكون ظاهرةً عارضة من ظواهر التُّخمة والامتلاء، ولكن تجاهلي لم يُجْدِ شيئًا، بل لعلَّه أتاح لجرثومة القلق والزُّهد والشكِّ أن تُفْرِخ في طوايا نفسي، وأن تنمو وتتكاثر على غفلةٍ منِّي، حتى أمسيت وما في الدنيا شيءٌ هو أشهى إلَيَّ من أن أنفض يدي من دنياي هذه، وألفِظَ المنصب.

كان أفدح ما يشقيني أنِّي أنا - نفسي - لا أجد سببًا معقولًا يُقنع أحدًا مِن حولي أني شقية إلى أبعد حدود الشقاء؛ فما من شخص يعرفني إلا ويراني قد ظفرت من الدُّنيا بأسباب السعادة؛ أصل طيِّب، ومظهرٌ لائق، وسمعة محترمة، ورزق موفور، ومركز رسمي يحسدني عليه أكثرُ زميلاتي، فماذا أبغي فوق ذلك كلِّه لأسعد وأرتاح؟

أبغي رجلًا يطرق بابي، طال انتظاري، ولا أحد يشعر بمدى معاناتي، إنِّي زهدتُ كل شيء إلا رجلًا يطرق بابي المفتوحَ لأي طارق.

وبلغت بِيَ المِحْنة أقسى المدى؛ لدرجة أنِّي انتابَني هاتفٌ من أعماقي، يدفعني للبحث بنفسي عن رجلٍ بدل من أن أترقَّب مجيئه ولم يَجِئ.

ما من رجلٍ يَرضى أن يتزوَّج عانسًا في السادسة والأربعين من عمرها، إلا أن يكون حقًّا فدائيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت