بينما إذا كانت شقيقاتُ الفتاة متزوِّجاتٍ، فإنَّهن يشعُرْن بالأسى تجاه أختهنَّ، وفي الوقت ذاته يشعرن أيضًا بالنقص أمام أزواجهن، خاصة إذا سألوهنَّ عن سرِّ عدم زواج أختهن، أو حملَتْ أسئلتهم تلميحاتٍ حول سلوك الفتاة وطباعها.
ومن البديهيِّ بطبيعة الحال أن تكون الفتاةُ نفسها أكثرَ أفراد الأسرة معاناةً من مضاعفات العنوسة، وعلى رأسها المضاعفات الجسديَّة والنفسيَّة، منها الشُّعور بالاضطرابات والقلق، والتخوُّف من المستقبل، وعدم الاستقرار أو راحة البال.
ففي المجتمعات العربيَّة تحديدًا يعدُّ الزواج"سُتْرة"للفتاة، وحفظًا لكرامة أسرتها؛ ومن ثَمَّ فإن تقدُّمها في السن دون زواج قد يثير العديد من الأقاويل التي تمسُّ سمعة الفتاة وسمعة الأسرة، فتشعر بالدُّونية وبأنَّها أقلُّ من الأخريات، وبخاصَّة عندما تَصْرخ بداخلها نداءاتُ الأنوثة والأمومة، وهو ما قد يُدْخِلها في دوَّامات من القلق والاكتئاب، واليأس والتشاؤُم من الحياة، وربما حاولت الفتاة التغلُّب على هذه الدوامات باللُّجوء إلى توثيق صلتها بالله أكثر، غير أنَّها قد تغلو دينيًّا فتُمارس دور المفتي في التحليل والتَّحريم.
وقد تسلك الفتاة العانس طريقًا مُغايِرًا تمامًا للهروب من دوامات القلق واليأس هذه، فتلجأ إلى الابتذال والسُّفور غير الطبيعيِّ في ملابسها وهندامها بطريقةٍ تُثير غرائز الشباب؛ رغبةً في إثبات الذَّات، والشُّعور بأنَّها مرغوبة مثل باقي أَتْرابِها [1] ، بل وربما سعَتْ في الوقت ذاته إلى كثرة الاختلاط بالشباب في الأماكن العامَّة، وفي العمل والأسواق، تحت زعم ما يسمَّى بالصداقة.
وشيئًا فشيئًا قد يتحوَّل هذا الابتذالُ والسفور إلى انحلالٍ خلقي، فتندفع الفتاة إلى الانحراف وإقامة علاقاتٍ جنسيَّة سرِّية وعابرةٍ لإشباع رغباتها خارج مؤسَّسة الزواج، أو إلى ما يسمَّى بالزواج العرفي أو السِّري؛ بَيْدَ أنَّها رغم ذلك تظلُّ في كلتا الحالتين محرومةً من مشاعر الأمومة، ومن الإحساس بالأمان.
نذكر هنا دراساتٍ عن تأثير تأخُّر سنِّ الزواج على كلٍّ من الرجل والمرأة، وعلى حياتهم بجميع جوانبها:
(1) {وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ} [ص: 52] ؛ أيْ: قاصراتٌ طَرْفَهن على أزواجهن، لا ينظُرْن إلى غيرهم، والأتراب: المتحدَّات في السن، أو المتساويات في الحُسْن، وقال مجاهد: معنى أتراب أنَّهن متواخيات لا يتباغَضْن ولا يتغايرن، وقيل: أترابًا للأزواج، والأتراب جمع تِرْب، واشتقاقه من التُّراب؛ لأنه يمسُّهن في وقت واحد؛ لاتحاد مولدهن.