إنَّ من التدابير الشرعية التي تُسْهِم في التقليل من ظاهرة تأخير الزَّواج في المُجتمع - القضاءَ على البطالة بين الرِّجال القادرين على العمل، وتوفير العمل المناسب لهم؛ لتمكينهم من تحمُّل نفقات الزواج، فالبطالة سببٌ من الأسباب الأساسيَّة التي تجعل الشَّباب يَعْزفون عن الزَّواج؛ فتيسير أسباب العمل المختلفة يعني تيسيرَ طريق الزواج.
ومن التدابير الشرعيَّة المتصلة بمحاربة البطالة التقليلُ من عمل المرأة في المجالات التي تُزاحم فيها الرَّجل؛ توفيرًا لِفُرص العمل للرِّجال؛ حتَّى يكونوا قادرين على تكوين أسرةٍ عن طريق الزواج الشرعي.
جاء رجلٌ من الأنصار إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطلب منه المساعدة في الزواج، فقال: إنِّي تزوجتُ امرأة من الأنصار، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( هل نظرتَ إليها؛ فإنَّ في عيون الأنصار شيئًا ) )قال: قد نظرتُ إليها، قال: (( على كم تزوَّجتَها؟ ) )قال: على أربع أواقٍ، فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم: (( على أربع أواق! كأنما تنحتون الفضَّة من عُرْض هذا الجبل، ما عندنا ما نعطيك، ولكن عسى أن نبعثك في بعثٍ تُصيبُ منه ) )، قال:"فبعث بعثًا إلى بنِي عبس، بعث ذلك الرَّجل فيهم" [1] .
وتأسيسًا على ذلك؛ فقد أجاز الفقهاءُ مساعدةَ الشباب الفقير في نفقات الزواج في إطار الضروريَّات والحاجيات، كما ورد في سيرة عمر بن عبدالعزيز - رضي الله عنه - [2] أنه عندما زادت حصيلة الزكاة ولم يجدوا فقيرًا أو مسكينًا، أمر المناديَ أن ينادي في الناس: أين المساكين؟ أين الغارمون؟ أين النَّاكحون؟ حتى أغنى كلاًّ من هؤلاء [3] ؛ ولقد استنبط الفقهاءُ من ذلك أنه يجوز مساعدةُ الفقير الذي ليس له زوجةٌ أن يتزوَّج،
(1) رواه مسلم.
(2) عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية (717 م - 720 م) ، سابع الخلفاء الأمويين، خامس الخلفاء الراشدين، ويرجع نسَبُه من أمه إلى عمر بن الخطاب، حيث كانت أمه هي أمَّ عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وبذلك يصبح الخليفة عمر بن الخطاب جدَّ الخليفة عمر بن عبدالعزيز، وُلد في المدينة المنوَّرة، وقد تلقى علومه وأصول الدين على يد صالحِ بن كيسان في المدينة المنورة، واستفاد كثيرًا من علمائها، ثم استدعاه عمُّه الخليفة عبدالملك بن مروان إلى دمشق، عاصمة الدولة الأموية، وزوَّجَه ابنته فاطمة، وعيَّنَه أميرًا على إمارةٍ صغيرة بالقرب من حلب، تسمَّى دير سمعان، وظل واليًا عليها حتى سنة 86 هـ.
(3) ابن كثير،"البداية والنهاية"، ج 9/ 208 - 209.