الأول والمباشر لظاهرة العنوسة أو تأخُّر سنِّ الزواج، أو العزوف عن الزَّواج من ذَوِي المهور الغالية والتكاليف العالية! واللُّجوء مِن ثَمَّ إلى الخارج؛ للزواج من ذوات المهور اليسيرة، والمؤنة السهلة [1] .
على أنَّ أسباب العنوسة لا تنحصر في هذا السبب المقيت؛ لأنَّ مِن الآباء - بل لعلَّه الكثير منهم - في مجتمعنا السُّعودي مَن يحرص أشدَّ الحرص على زواج ابنته، ويبتهج وهو يراها تُزفُّ إلى عشِّ الزوجية؛ فالأب المسلم يُدْرِك ما أمرَ به الشرعُ الحنيف في هذا الجانب، والجدير به أن لا يُخالف النَّهج الشرعي، ولعلَّ الحكمة من مشروعية تعدُّد الزوجات في الإسلام الحدُّ من انتشار العنوسة، والإسهام في علاجها.
وحَسْبُ الشِّعر أن يشير إلى مكمن الداء، وإن لم يَصِف علاجًا؛ كما أنَّ غلاء المهور يشكِّل عائقًا للزواج، وسببًا من أسباب انتشار العنوسة؛ ولذا تنبغي محاربته من قِبَل عُقَلاء المجتمع، وهذا ما دعا إليه عبدالله الحميد، بنبرة تفيض ألمًا وحسرة على الرَّاغبين في الزواج من الجنسين، الذين حُرِموا منه؛ بسبب جشع الآباء، وغلاء المهور، ومن ذلك قوله:
أَلِلفَقْرِ صَارَتْ تُسْتَزَادُ مُهُورُ؟ = أَمِ الرِّبْحُ فِي طُولِ الفَتَاةِ وَفِيرُ؟
وَمَنْ لِشَبَابٍ يَطْلُبُ السِّتْرَ تَائِهًا = عَلَى هَامِشِ الشَّوْقِ البَرِيءِ يَسِيرُ؟
أَلاَ أَيُّهَا الآبَاءُ وَالْخَطْبُ فَادِحٌ = أَمَا هَزَّكُمْ نَحْوَ الشَّبَابِ شُعُورُ؟
أَلاَ تَقْبَلُونَ الشَّهْمَ صِهْرًا مُنَاسِبًا؟ = وَتَرْضَوْنَ فِيهِ الدِّينَ فَهْوَ غَيُورُ
لِتَسْعَوْا لِحِفْظِ العِرْضِ مِنْ غَيْرِ مَطْمَعٍ = فَذَاكَ عَلَى جُلِّ الشَّبَابِ عَسِيرُ
وَلاَ تَجْعَلُوا عِرْضَ الفَتَاةِ كَسِلْعَةٍ = يَزِيدُ بِهَا التُّجَّارُ وَهْيَ تَمُورُ
فَتَمْضِي عَلَى العَذْرَا سِنُونَ مَرِيرَةٌ = بِهَا تَعْنُسُ الأَبْكَارُ ثُمَّ تَبُورُ
فَكَمْ مِنْ فَتًى يَرْعَى النُّجُومَ مُسَهَّدًا = وَكَمْ مِنْ فُؤَادٍ بَاتَ وَهْوَ كَسِيرُ
وَكَمْ كَاعِبٍ فِي بَوْتَقِ البُؤْسِ أُيِّمَتْ = فَأَذْبَلَ فِيهَا الْحُسْنُ وَهْوَ نَضِيرُ
وَذَاكَ لأَنَّ الْمَهْرَ زِيدَ وَلَمْ يَزَلْ = يُزَوِّدُهُ الآبَاءُ وَهْوَ كَثِيرُ [2]
(1) انظر عبدالرب نواب الدين آل نواب"تأخر سن الزواج: أسبابه، وأخطاره، وطرق علاجه على ضوء القرآن والسنة"، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1 1415 هـ، ص 174.
(2) أمل جريح، عبدالله سالم الحميد، ط/ 2، (الرياض: مطابع النصر الحديثة د. ت) ، ص 61.