الأحوال لايتخذ قراره بناء على فرضية الحدس والاستبطان أو العفوية الحرة في اتخاذ القرار. وهنا، يبدو أن اتخاذ القرار بالتخلي أو الترك يعتمد على موازنة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار المخاطر وحدود النفقات والعائدات، ويتحدد مثل هذا القرار وفقا لعوامل ومتغيرات. [1] ""
ويعني هذا إذا كان أنصار المقاربة الصراعية قد أخذوا بالحتمية المجتمعية أو الواقعية في تحديد مصير الفرد، فإن رايمون بودون قد أخذ بنظرية الفعل، على أساس أن الفرد حر في أفعاله واختياراته. ويعني هذا أن نظرية الفعل الاجتماعي ترى أن"الأفراد قادرون على صناعة مصيرهم المدرسي والمهني تأسيسا على مبادراتهم وفعالياتهم الاجتماعية."
ومن أهم الاتجاهات الأساسية لهذه النظريات يمكن الإشارة إلى مدرسة المفكر الفرنسي بودون الذي لطالما يركز في دراساته وأبحاثه على أهمية العوامل المستقبلية في تحديد مصير الفرد ومستقبله. فإذا كان الماضي عند الحتميين هو الذي يحدد ملامح المستقبل، فإن المستقبل عينه هو الذي يرسم المصير عند الأفراد وفقا لأنصار النظرية الفردية. ومن هذا المنطلق يوجه الفردانيون انتقاداتهم الشديدة إلى الثقافويين الذين يعتقدون أن هدف الاصطفاء هو إعادة إنتاج البنى الاجتماعية القائمة، وبأن المدرسة قادرة على فرض قوانيها على الأفراد." [2] "
وهكذا، يرى رايمون بودون أن اللامساواة التربوية لاترتبط باللامساواة الاجتماعية والطبقية والثقافية، بل تعود إلى الاختيارات الحرة للأفراد، وقراراتهم الشخصية، وقناعاتهم الذاتية، وحساباتهم الخاصة التي يضعونها جيدا حين التعامل مع المدرسة.
وخلاصة القول، إذا كانت المقاربات السابقة قد اعتبرت المدرسة فضاء للصراع الاجتماعي والسياسي والطبقي والاقتصادي، فإن ثمة مقاربات أخرى تحلل طبيعة المدرسة
(1) - علي أسعد وطفة وعلي جاسم الشهاب: علم الاجتماع المدرسي، ص:192.
(2) - علي أسعد وطفة وعلي جاسم الشهاب: نفسه، ص:195 - 196.