استقلالا كليا عن شروط ملاحظته. ولاشك أن مثل هذا التصور يستبعد من الحقل السوسيولوجي كل إمكانية لتصور ذوات أو قوى فاعلة أو مسؤولية الذوات وحريتها.
أما في السوسيولوجيا الإنشائية، فإن ذات الباحث تحضر، بالمقابل، في موضوع الباحث، فهو ينطق، أحيانا، بضمير المتكلم، ولايواري ذاته ... لقد كان مفهوم الذات غير مستساغ من قبل المعرفة العلمية؛ لأنه كان مفهوما ميتافيزيقيا ومتعاليا ... في حين، إن تقدم المعرفة البيولوجية الحديثة، يسمح، اليوم، بمنح مفهوم الذات أساسا بيولوجيا. فماذا يعني أن يكون الإنسان ذاتا، اليوم؟ إنه يعني أن يضع الإنسان نفسه في قلب عالمه ... فالذات هي، بالجملة، الموجود الذي يحيل على ذاته وإلى الخارج والذي يتموضع في مركز عالمه." [1] "
وبناء على ما سبق، يتأكد لنا أن ثمة طريقتين في التعامل مع الظواهر المجتمعية، إما أن نتمثل الطريقة الوضعية التفسيرية في تبيان العلاقات الثابتة التي توجد بين الظواهر والمتغيرات، وإما أن نتمثل طريقة الفهم لاستجلاء البعد المجتمعي بفهم أفعال الذات وتأويلها.
وعلى العموم، يعتمد علم الاجتماع على ثلاثة مبادئ منهجية أساسية هي: الفهم، والتفسير، والتأويل. ويعني المبدأ المنهجي الأول فهم فعل الفرد في إطار نظرية التأثير والتأثر أو في إطار نظرية التفاعل الاجتماعي. أي: فهم المعاني التي يتخذها الفعل الفردي داخل المجتمع المعطى. وينسجم هذا المبدأ مع العلوم الإنسانية أو علوم الثقافة والروح. وبما أن الإنسان فاعل فردي يملك وعيا، ويصدر فعله عن معنى أو مقصدية ما، فمن الصعب دراسته دراسة علمية سببية وعلية موضوعية؛ لأن ذلك يتنافى مع مبدإ الذاتية في العلوم الإنسانية. وأكثر من هذا، فالإنسان فرد واع وعاقل وحساس لايمكن مقاربته في