والأحكام حتى يكل السامع وينقطع عن تحصيله الطامع. وكذا إذا انتقل إلى الثانية وما بعدها، هذا بعض طريقته في المدونة.
وأما إذا ارتقى الكرسي، يعني كرسي التفسير، فترى أمرا معجزا ينتفع به من قدر له نفعه من الخاصة والعامة. يبتدئ بأذكار وأدعية مرتبة، يكررها كل صباح ومساء يحفظها الناس ويأتونها من كل فج عميق. وبعد ذلك، يقرأ القارئ آية فلا يتكلم شيء منها إلا قليلا، ثم يفتتح فيما يناسبها من الأحاديث النبوية، وأخبار السلف وحكايات الصوفية وسير النبي وأصحابه والتابعين. ثم بعدها، يرجع إلى الآية، وربما أخذ في نقل الأحاديث فيقول الحديث الأول كذا والثاني كذا والثالث كذا إلى المائة فأزيد، ثم كذلك في المائة الثانية، والشك في الثالثة"."
ثم قال:"وكذلك فعل في إقرائه للعربية، فبدأ بأصحاب سيبويه، ثم نزل إلى السيرافي وشراح الكتاب وطبقات النحويين حتى مل الحاضرون وكلوا. ومازال كذلك حتى ذهبوا ولم يراجع في ذلك، وقد كان قصدهم اختباره وامتحانه" [1] .
وكان العلماء المغاربة يتتبعون طرائق تربوية عدة في التدريس، يمكن حصرها في الطرائق البيداغوجية السبع التالية:
(الطريقة المعجمية الاصطلاحية التي تعتمد على شرح النصوص، وفك غموضها ومبهماتها دون زيادة؛ لأن الزيادة تضر بالمتعلم كما هي طريقة محمد بن عرفة(توفي سنة 803 هـ) في القرن الثامن الهجري، وكان يترك للمتمدرس حرية استنتاج ما يمكن استنتاجه.
(الطريقة العراقية التي تتكئ على المنهج العقلي في مناقشة النص، وتصنيف معلوماته، والبحث في الأدلة والقياس والبراهين الحجاجية، دون الاهتمام بتصحيح الروايات أو الوقوف عند معاني الألفاظ على طريقة القيروانيين في تدريس المدونة.
(1) - عبد الله كنون: نفسه، ص:192.