الأفراد يتمثلون معايير المجتمع، ويلتزمون بقواعده، ويتعلمون قواعد الحياة الجماعية. ومن ثم، فرؤية دوركايم إيديولوجية بامتياز، إذ يكرس الأوضاع نفسها التي توجد في المجتمعات الغربية العلمانية.
وعليه،"لقد كان من الطبيعي أن يسير دوركايم في ركاب الأستاذ الذي أنشأ عالم الاجتماع (أوجست كونت) ، ويتأثر بوجهة نظره في كثير من الموضوعات التي عالجها؛ فقد كان دوركايم يسلم تسليما تاما بمبدأ التوازن في المجتمع، وأن الصراع مجرد حالة طارئة ومؤقتة، بل قد يمكن اعتباره حالة مرضية لاتلبث أن تزول وتختفي ويسترد المجتمع توازنه الأصلي القديم." [1]
مادام دوركايم يجعل من المدرسة فضاء للإندماج الكلي، ومجالا لتلقين قواعد الحياة الاجتماعية، باحترام المتعلم ثوابت المجتمع، وتمثل معاييره المقننة، والالتزام بأخلاقه وقيمه وعاداته وتقاليده، فإنه يريد بذلك ضرورة الحفاظ على توازن المجتمع واستمرار سيرورته بذلك الشكل المتصل.
ويعني هذا أن المدرسة عند دوركايم تهدف إلى إدماج المتعلم في المجتمع، ثم إعطائه ثقافة كونية عقلانية وإنسانية وذكائية، ثم تكوين ذوات مستقلة داخل مجتمع عضوي، ثم تلبية حاجيات المجتمع. ويحقق هذا كله نوعا من التقدم والازدهار للمجتمع، ويكسب المتعلم هوية وطنية وقومية حقيقية. ويكتسب المتعلم هويته الحقيقية عبر دروس التاريخ والجغرافيا والدين والأخلاق، ويحتكم إلى العقل والمنطق. ولكن مدرسة دوركايم ليست مدرسة المساواة في الحظوظ، بل هي مدرسة النخب العقلانية والشرعية، وقد استمر هذا المفهوم حتى سنوات الخمسين من القرن الماضي. وقد نتج عن ذلك خلق مدرسة ليبرالية وعلمانية ديمقراطية، ولكنها ليست مدرسة شعبية.
(1) - وسيلة خزار: الإيدولوجيا وعلم الاجتماع، جدلية الانفصال والاتصال، منتدى المعارف، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013 م، ص: 142.