فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 183

الرابع والعشرون: مذهبه في السكت:

خالف حفص شعبة في السكتات الأربع في القرآن، فحفص [1] سكت سكة لطيفة من غير تنفس وصلًا على المواضع الآتية: {عِوَجَا} (الكهف: 1) ، و {مَرْقَدِنَا} في (يس: 52) ، و {مَنْ رَاقٍ} في (القيامة: 27) ، و {بَلْ رَانَ} في (المطففين: 14) . وأما شعبة فقرأها بالوصل من غير سكت.

ولعاصم في هاء السكت من قوله تعالى: {مَالِيَهْ (هَلَكَ} في(الحاقة: 28 و 29) : الإدغام والإظهار وصلًا. والإظهار أرجح وهو المقدم، وكيفيته أن يسكت على هاء {مَالِيَهْ} سكتة لطيفة من غير تنفس [2] .

(1) قال ابن الجزري في النشر 1/ 425: (فَاخْتُلِفَ عَنْ حَفْصٍ فِي السَّكْتِ عَلَيْهَا وَالْإِدْرَاجِ، فَرَوَى جُمْهُورُ الْمَغَارِبَةِ وَبَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْ عُبَيْدٍ وَعَمْرٍو السَّكْتَ عَلَى الْأَلِفِ الْمُبْدَلَةِ مِنَ التَّنْوِينِ فِي {عِوَجًا} ثُمَّ يَقُولُ {قَيِّمًا} وَكَذَلِكَ عَلَى الْأَلِفِ مِنْ {مَرْقَدِنَا} ثُمَّ يَقُولُ {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} وَكَذَلِكَ عَلَى النُّونِ مِنْ {مَنْ} ثُمَّ يَقُولُ {رَاقٍ} وَكَذَلِكَ عَلَى اللَّامِ مِنْ {بَلْ} ثُمَّ يَقُولُ {رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} وَهَذَا الَّذِي فِي(الشَّاطِبِيَّةِ) ، وَ (التَّيْسِيرِ) ، وَ (الْهَادِي) ، وَ (الْهِدَايَةِ) ، وَ (الْكَافِي) ، وَ (التَّبْصِرَةِ) ، وَ (التَّلْخِيصِ) ، وَ (التَّذْكِرَةِ) وَغَيْرِهَا. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ فِي الْأَرْبَعَةِ كَالْبَاقِينَ أَبُو الْقَاسِمِ الْهُذَلِيُّ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ مِهْرَانَ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ حَفْصٍ وَغَيْرِهِ، وَرَوَى عَنْهُ كُلًّا مِنَ الْوَجْهَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْفَحَّامِ فِي تَجْرِيدِهِ، فَرَوَى السَّكْتَ فِي {عِوَجَا} وَ {مَرْقَدِنَا} عَنْ عَمْرِو بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْهُ. وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ الصَّبَاحِ عَنْهُ. وَرَوَى السَّكْتَ فِي {مَنْ رَاقٍ} وَ {بَلْ رَانَ} مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى الْفَارِسِيِّ، عَنْ عَمْرٍو، وَمِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى عَبْدِ الْبَاقِي، عَنْ عُبَيْدٍ فَقَطْ، وَرَوَى الْإِدْرَاجَ كَالْجَمَاعَةِ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَى ابْنِ نَفِيسٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدٍ وَالْمَالِكِيِّ مِنْ طَرِيقَيْ عَمْرٍو وَعُبَيْدٍ جَمِيعًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَاتَّفَقَ صَاحِبُ (الْمُسْتَنِيرِ) ، وَ (الْمُبْهِجِ) ، وَ (الْإِرْشَادِ) عَلَى الْإِدْرَاجِ فِي {عِوَجَا} وَ {مَرْقَدِنَا} كَالْجَمَاعَةِ، وَعَلَى السَّكْتِ فِي الْقِيَامَةِ فَقَطْ، وَعَلَى الْإِظْهَارِ مِنْ غَيْرِ سَكْتٍ فِي التَّطْفِيفِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِظْهَارِ السَّكْتُ. فَإِنَّ صَاحِبَ (الْإِرْشَادِ) صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي كِفَايَتِهِ، وَصَاحِبُ (الْمُبْهِجِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي (الْكِفَايَةِ) لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ، وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْعَلَاءِ فِي غَايَتِهِ السَّكْتَ فِي {عِوَجَا} فَقَطْ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ شَيْئًا. بَلْ ذَكَرَ الْإِظْهَارَ فِي {مَنْ رَاقٍ} ، وَ {بَلْ رَانَ} . (قُلْتُ) : فَثَبَتَ فِي الْأَرْبَعَةِ الْخِلَافُ، عَنْ حَفْصٍ مِنْ طَرِيقَيْهِ، وَصَحَّ الْوَجْهَانِ مِنَ السَّكْتِ وَالْإِدْرَاجِ عَنْهُ، وَبِهِمَا عَنْهُ آخُذُ. (وَوَجْهُ) السَّكْتِ فِي {عِوَجَا} قَصْدُ بَيَانِ أَنَّ قَيِّمًا بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ فِي الْإِعْرَابِ. فَيَكُونُ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ (أَنْزَلَهُ قَيِّمًا) فَيَكُونُ حَالًا مِنَ الْهَاءِ فِي أَنْزَلَهُ وَفِي {مَرْقَدِنَا} بَيَانٌ أَنَّ كَلَامَ الْكُفَّارِ قَدِ انْقَضَى، وَأَنَّ قَوْلَهُ: {هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ} لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِمْ، فَهُوَ إِمَّا مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ مِنْ كَلَامِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ فِي الْوَقْفِ وَالِابْتِدَاءِ وَفِي {مَنْ رَاقٍ} ، وَ {بَلْ رَانَ} قَصْدُ بَيَانِ اللَّفْظِ لِيَظْهَرَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ مَعَ صِحَّةِ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

(2) قال ابن الجزري في النشر 2/ 21: (فَقَدْ حُكِيَ فِيهِ الْإِظْهَارُ مِنْ أَجْلِ كَوْنِهِ هَاءَ سَكْتٍ، كَمَا حُكِيَ عَدَمُ النَّقْلِ فِي {كِتَابِيَهْ إِنِّي} ، وَقَالَ مَكِّيٌّ فِي تَبْصِرَتِهِ: يَلْزَمُ مَنْ أَلْقَى الْحَرَكَةَ فِي {كِتَابِيَهْ إِنِّي} أَنْ يُدْغِمَ {مَالِيَهْ هَلَكَ} ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَجْرَاهَا مُجْرَى الْأَصْلِ حِينَ أَلْقَى الْحَرَكَةَ، وَقَدَّرَ ثُبُوتَهَا فِي الْوَصْلِ. قَالَ: وَبِالْإِظْهَارِ قَرَأْتُ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَهُوَ الصَّوَابُ-إِنْ شَاءَ اللَّهُ-. قَالَ أَبُو شَامَةَ يَعْنِي بِالْإِظْهَارِ أَنْ يَقِفَ عَلَى {مَالِيَهْ هَلَكَ} وَقْفَةً لَطِيفَةً. وَأَمَّا إِنْ وَصَلَ فَلَا يُمْكِنُ غَيْرُ الْإِدْغَامِ أَوِ التَّحْرِيكِ قَالَ وَإِنْ خَلَا اللَّفْظُ مِنْ أَحَدِهِمَا كَانَ الْقَارِئُ وَاقِفًا وَهُوَ لَا يَدْرِي لِسُرْعَةِ الْوَصْلِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ السَّخَاوِيُّ وَفِي قَوْلِهِ {مَالِيَهْ هَلَكَ} خُلْفٌ. وَالْمُخْتَارُ فِيهِ أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْهَاءَ إِنَّمَا اجْتُلِبَتْ لِلْوَقْفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُوصَلَ، فَإِنْ وُصِلَتْ فَالِاخْتِيَارُ الْإِظْهَارُ لِأَنَّ الْهَاءَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهَا فِي النِّيَّةِ لِأَنَّهَا سِيقَتْ لِلْوَقْفِ. وَالثَّانِيَةُ مُنْفَصِلَةٌ مِنْهَا فَلَا إِدْغَامَ(قُلْتُ) : وَمَا قَالَهُ أَبُو شَامَةَ أَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ، وَأَحْرَى بِالدِّرَايَةِ وَالتَّدْقِيقِ; وَقَدْ سَبَقَ إِلَى النَّصِّ عَلَيْهِ أُسْتَاذُ هَذِهِ الصِّنَاعَةِ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ فِي جَامِعِهِ: فَمَنْ رَوَى التَّحْقِيقَ، يَعْنِي التَّحْقِيقَ فِي {كِتَابِيَهْ إِنِّي} لَزِمَهُ أَنْ يَقِفَ عَلَى الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ {مَالِيَهْ هَلَكَ} وَقْفَةً لَطِيفَةً فِي حَالِ الْوَصْلِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِنِيَّةِ الْوَاقِفِ فَيَمْتَنِعُ بِذَلِكَ مِنْ أَنْ يُدْغِمَ فِي الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا. قَالَ وَمَنْ رَوَى الْإِلْقَاءَ لَزِمَهُ أَنْ يَصِلَهَا وَيُدْغِمَهَا فِي الْهَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا لِأَنَّهَا عِنْدَهُ كَالْحَرْفِ اللَّازِمِ الْأَصْلِيِّ انْتَهَى وَهُوَ الصَّوَابُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت