فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 675

وهي قوله -تعالى-: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدا في سبيله لعلكم تفلحون، وقوله سبحانه:"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) " [الإسراء: 57] .

فتعالوا بنا نتعرف إلى هاتين الآيتين من أوثق كتب التفسير.

فأما الآية الأولى، فقد قال إمام المفسرين الحافظ ابن جرير -رحمه الله- في تفسيرها: يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله فيما أخبرهم، ووعد من الثواب، وأوعد من العقاب. اتقوا الله يقول: أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم، بالطاعة له في ذلك، وابتغوا إليه الوسيلة: يقول: واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه. [1]

ونقل الحافظ ابن كثير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنى الوسيلة في هذه الآية القربة أي الطاعة، ونقل مثل ذلك عن مجاهد وأبي وائل والحسن وعبد الله بن كثير والسدي وابن زيد وغير واحد، ونقل عن قتادة قوله فيها: أي تقربوا إليه بطاعته، والعمل بما يرضيه، ثم قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه ... [2] إذا فليس في الآية على صحة التوسل بأحد إنما معناها التقرب بالطاعة والعبادة.

وأما الآية الثانية:"أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) " [الإسراء: 57] : فليس فيها متعلق لهذه المسألة فقد بين الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- مناسبة نزولها التي توضح معناها فقال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون. [3]

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: أي استمر الإنس الذين كانوا يعبدون الجن على عبادة الجن، والجن لا يرضون بذلك، لكونهم أسلموا، وهم الذين صاروا يبتغون إلى ربهم الوسيلة، وهذا هو المعتمد في تفسير الآية. [4]

قلت: وهي صريحة في أن المراد بالوسيلة ما يتقرب به إلى الله -تعالى-، ولذلك قال:

يبتغون أي يطلبون ما يتقربون به إلى الله -تعالى- من الأعمال الصالحة، وهي كذلك تشير إلى هذه الظاهرة الغريبة المخالفة لكل تفكير سليم، ظاهرة أن يتوجه بعض الناس بعبادتهم ودعائهم إلى بعض عباد الله، يخافونهم ويرجونهم، مع

(1) تفسير الطبري - (10/ 289) .

(2) تفسير ابن كثير - (3/ 103) .

(3) أخرجه البخاري (4714، 4715) ، ومسلم 7742.

(4) فتح الباري (13/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت