فهو مقبول أيضًا ولا منافاة بين القولين، بل أحدهما يتمم الآخر، فحديث ابن عباس لم يتعرض لبيان ما قاله آدم عليه السلام بعد أن تلقى من ربه تلك الكلمات وهذا القول يبين الكلمات، فلا منافاة والحمد لله، وبهذا ثبت مخالفة الحديث للقرآن، فكان باطلًا وهذا هو الموضع الأول.
الموضع الثاني: قوله في آخره: ولولا محمد ما خلقتك، فإن هذا أمر عظيم يتعلق بالعقائد التي لا تثبت إلا بنص متواتر اتفاقًا، أو صحيح عند آخرين، ولو كان ذلك صحيحًا لورد في الكتاب والسنة الصحيحة، وافتراض صحته في الواقع مع ضياع النص الذي تقوم به الحجة ينافي قوله -تبارك وتعالى-: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) [الحجر: 9] والذكر هنا يشمل الشريعة كلها قرآنًا وسنة، كما قرره ابن حزم في"الإحكام"وأيضًا فإن الله -تبارك وتعالى- قد أخبرنا عن الحكمة التي من أجلها خلق آدم وذريته، فقال -عز وجل-: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون، فكل ما خالف هذه الحكمة أو زاد عليها لا يقبل إلا بنص صحيح عن المعصوم كمخالفة هذا الحديث الباطل. ومثله ما اشتهر على ألسنة الناس: لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك، فإنه كذب و موضوع كما قاله الصنعاني ووافقه الشوكاني في"الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" [1] .
ومن الطرائف أن المتنبي ميرزا غلام أحمد القادياني الكافر سرق هذا الحديث الموضوع المكذوب فادعى أن الله خاطبه بقوله: لولاك لما خلقت الأفلاك!! وهذا شيء يعترف به أتباعه القاديانيون، لوروده في كتاب متنبئهم"حقيقة الوحي"فسبحان الله الذي وفق بين مكذوب وكذاب [2] .
الحديث السابع: توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم، وبعضهم يرويه بلفظ: إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي، فإن جاهي عند الله عظيم.
وهذا باطل لا أصل له في شيء من كتب الحديث ألبتة، وإنما يرويه بعض الجهال بالسنة كما نبَّه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في"القاعدة الجليلة" [3] قال: مع أن جاهه عند الله أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، ولكن جاه المخلوق عند الخالق ليس كجاه المخلوق عند المخلوق فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والمخلوق يشفع عند المخلوق بغير إذنه، فهو شريك له في حصول المطلوب، والله -تعالى- لا شريك له كما قال سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السموات وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23) [سورة سبأ: 22 - 23] ، فلا يلزم إذن من كون جاهه عند ربه عظيمًا، أن
(1) ص 132، 150.
(2) ص 99.
(3) ص 116.