نتوسل به إلى الله -تعالى-، لعدم ثبوت الأمر به عنه، ويوضح ذلك أن الركوع والسجود من مظاهر التعظيم فيما اصطلح عليه الناس، فقد كانوا وما يزال بعضهم يقومون ويركعون ويسجدون لمليكهم ورئيسهم والمعظم لديهم، ومن المتفق عليه بين المسلمين أن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- هو أعظم الناس لديهم، وأرفعهم عندهم. ترى فهل يجوز لهم أن يقوموا ويركعوا ويسجدوا له في حياته وبعد مماته؟
الجواب: إنه لا بد لمن يجوز ذلك، من أن يثبت وروده في الشرع، وقد نظرنا فوجدنا أن السجود والركوع لا يجوزان إلا له -سبحانه وتعالى-، وقد نهى النبي أن يسجد أو يركع أحد لأحد، كما أننا رأينا في السنة كراهية النبي للقيام، فدل ذلك على عدم مشروعيته.
ترى فهل يستطيع أحد أن يقول عنا حين نمنع السجود لرسول الله: إننا ننكر جاهه وقدره؟ كلا ثم كلا، فظهر من هذا بجلاء إن شاء الله -تعالى- أنه لا تلازم بين ثبوت جاه النبي وبين تعظيمه بالتوسل بجاهه ما دام أنه لم يرد في الشرع.
هذا، وإن مما يغفل عنه هؤلاء أن من جاهه أنه يجب علينا اتباعه وإطاعته كما يجب إطاعة ربه، وقد ثبت عنه أنه قال: ما تركت شيئًا يقربكم إلى الله إلا أمرتكم به. [1]
فإذ لم يأمرنا بهذا التوسل ـ ولو أمرَ استحباب ـ فليس عبادة، فيجب علينا اتباعه في ذلك وأن ندع العواطف جانبًا، ولا نفسح لها المجال حتى ندخل في دين الله ما ليس منه بدعوى حبه، فالحب الصادق إنما هو بالاتباع، وليس بالابتداع كما قال -عز وجل-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) [آل عمران: 31]
ومنه قول الشاعر:
تعصى الإلهَ وأنت تظهر حبَّه هذا لَعَمْرُك في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعتَه إن المحب لِمن يحب مطيع
أيها الإخوة! وهكذا يتبين لنا أن من يجيزون التوسل المبتدع يحتجون بأحاديث إذا تأملناها نجدها تندرج تحت نوعين اثنين: الأول ثابت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه لا يدل على مرادهم ولا يؤيد رأيهم، فقد فهموه خطأ.
(1) قال في أصل صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم - (3/ 942) : رواه الطبراني بإسناد صحيح - كما في""
الإبداع"-."