الأثر الأول: أثر الاستسقاء بالرسول بعد وفاته:
وهو ما روى ابن أبي شيبه عن مالك الدار - وكان خازن عمر - قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي فقال: يا رسول الله! استسق لأمتك، فإنهم قد هلكوا، فَأُتي الرجلُ في المنام، فقيل له: ائت عمر .. الحديث. [1]
وقيل الذي رأى المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة.
قلت: والجواب أن هذه القصة غير مسلم بصحتها، لأن مالك الدار غير معروف العدالة والضبط، وهذان ـ العدالة والضبط ـ شرطان أساسيان في كل سند صحيح كما تقرر في علم المصطلح.
ثم إن الحديث مخالف لما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء لاستنزال الغيث من السماء، كما ورد ذلك في أحاديث كثيرة، وأخذ به جماهير الأئمة، بل هي مخالفة لما أفادته الآية من الدعاء والاستغفار، وهي قوله -تعالى- في سورة نوح:"فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، يرسل السماء عليكم مدرارًا .."وهذا ما فعله عمر بن الخطاب حين استسقى وتوسل بدعاء العباس كما سبق بيانه، وهكذا كانت عادة السلف الصالح كلما أصابهم القحط أن يصلوا ويدعوا، ولم ينقل عن أحد منهم مطلقًا أنه التجأ إلى قبر النبي، وطلب منه الدعاء للسقيا، ولو كان ذلك مشروعًا لفعلوه ولو مرة واحدة، فإذ لم يفعلوه دل ذلك على عدم مشروعية ما جاء في القصة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"القاعدة الجليلة": [2] لم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بل ولا أحد من الأنبياء قبله شرعوا للناس أن يدعوا الملائكة والأنبياء والصالحين، ويستشفعوا بهم، لا بعد مماتهم، ولا في مغيبهم كما يفعله المبتدعون من المسلمين عند قبور الأنبياء والصالحين أو في مغيبهم، فهذا مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل المتواتر وبإجماع المسلمين أن النبي لم يشرع هذا لأمته، وكذلك الأنبياء قبله لم يشرعوا شيئًا من ذلك، ولا فعل هذا أحد من أصحابه والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا ذكر أحد من الأئمة لا في مناسك الحج ولا غيرها أنه يستحب لأحد أن يسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند قبره أن يشفع له أو يدعو لأمته، أو يشكو إليه ما نزل بأمته من مصائب الدنيا والدين، وكان أصحابه يبتلون بأنواع البلاء بعد موته، فتارة بالجدب، وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبر الرسول ولا قبر الخليل ولا قبر أحد من الأنبياء فيقول: نشكوا إليك جدب الزمان أو قوة العدو، أو كثرة الذنوب ولا يقول: سل الله لنا أو لأمتك أن يرزقهم أو ينصرهم أو يغفر لهم، بل هذا وما يشبهه من البدع
(1) فتح الباري 2/ 397.
(2) القاعدة الجليلة صحيح: 53.