المحدثة التي لم يستحبها أحد من أئمة المسلمين، فليست واجبة ولا مستحبة باتفاق أئمة المسلمين، وكل بدعة ليست واجبة ولا مستحبة فهي بدعة سيئة وضلالة باتفاق المسلمين.
الأثر الثاني: أثر فتح الكوى فوق قبر الرسول إلى السماء:
فقد روى الدارمي عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحَط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكوا إلى عائشة، فقالت: انظروا قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطرًا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق. [1]
وهذا الحديث سنده ضعيف لا تقوم به حجة، وهو غير مقبول، فلا يحتج به، وقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في"الرد على البكري" [2] : فليس بصحيح، ولا يثبت إسناده، ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة، بل كان باقيًا كما كان على عهد النبي- صلى الله عليه وسلم -، بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في"الصحيحين"عن عائشة أن النبي كان يصلي العصر والشمس في حجرتها، لم يظهر الفيء بعد [3] ، ولم تزل الحجرة النبوية كذلك في مسجد الرسول .. وحين دخلت الحجرة النبوية في المسجد بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك لأجل كنس أو تنظيف. وأما وجود الكوة في حياة عائشة فكذب بَيّن، لو صح ذلك لكان حجة ودليلًا، على أن القوم لم يكونوا يقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت، ولا يسألون الله به.
أيها الإخوة! إن الله -تعالى- شرع لنا العبادات لنتقرب بها إليه وفيها كفاية لمن أراد أن يتقرب إليه سبحانه والعبادات كلها مبناها على الاتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، فليس لأحد أن يصلي إلى قبر ويقول هو أحق بالصلاة إليه من الكعبة، وقد ثبت عنه- صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال:"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". [4] مع أن طائفة من غلاة العباد يصلون إلى قبور شيوخهم، بل يستدبرون القبلة، ويصلون إلى قبر الشيخ ويقولون: هذه قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة! وطائفة أخرى يرون الصلاة عند قبور شيوخهم أفضل من الصلاة في المساجد حتى المسجد الحرام والنبوي والأقصى.
(1) لا يصح، أخرجه الدارمي في سننه (1/ 43 - 44) وفيه أبو النعمان وهو محمد بن الفضل المعروف بعارم وقد كان اختلط في آخر عمره كما قال العقيلي وغيره من أهل الحديث. واظر: مشكاة المصابيح 5950.
(2) الرد على البكري" ص 68 - 74."
(3) أخرجه البخاري 546، ومسلم 1413.
(4) أخرجه مسلم (972) .