(وخذ يمنة عنها على المنهج الذي ... عليه سرى وفد الأحبة آهلا)
(وقل ساعدي يا نفس بالصبر ساعة ... فعند اللقا ذا الكد يصبح زائلا)
(فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ... ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا) [1]
هذا هو التوحيد الذي يوصل إلى رضا العزيز الحميد وأما بذل الأعمال والعبادات لغير الله فإنها تعود وبالًا على صاحبها وخسرانًا في الدنيا قبل الآخرة فلا هو ربح دنياه ولا ربح أخراه فيا لها من خسارة هي الخسران المبين.
والفطرة السوية النقية شاهدة ناطقة بأن الذبح عبادة تختص بخالق السموات والأرض ليست لأحد غيره على الإطلاق، فها هو رجل من الحنفاء عرف الله -تعالى- حين هدته فطرته السوية النقية وعقله وقلبه الطاهر الصافي إلى التوحيد، وذلك في بيئة مليئة بالشرك والوثنية إنه زيد بن عمرو بن نفيل الذي عاش ومات قبل أن يبعث النبي بالرسالة والذي بحث عن دين الله في الأرض كلها فلم يجده عند اليهود أو عند النصارى ولا في قومه المشركين فعاد أدراجه إلى الكعبة يشهد الله -تعالى- عندها قائلًا: اللهم إني أشهدك أني حنيفي علي دين إبراهيم الخليل، وفي طوافه بالكعبة كان يرى المشركين يأتون بالذبائح الشياه والأبقار والإبل ليذبحوها أمام الأصنام من دون الله يزعمون ـ كما نسمع بنفس العبارة من أصحاب القبور والأضرحة اليوم -أنها تقربهم من الله -تعالى- وتزلفهم إليه وترفع إليه حوائجهم- فيقول الرجل الذي ما تعلم قرآنا ولا سنة ولا اطلع على كتاب أو وحي وإنما فطرته السوية هي التي تنطق بالحق يقول وهو يصرخ فيهم:"يا أهل مكة! الشاة خلقها الله وأنزل لها الماء من السماء وأنبت لها العشب من الأرض، وأنتم تذبحونها لغيره"فكانوا يعرضون عنه ولا يسمعون لقوله فكان يرفع صوته جهيرًا ويقول:
أربٌّ واحد أم ألف ربٍّ ... أدينُ إذا تقسمت الأمور
تركت الّلات والعُزّى جميعًا ... كذلك يفعل الرجل البصير
فلا العزى أدينُ ولا ابنَتَيْها ولا صَنَمَي بني عمرو أزور
ولكن أعبد الرحمنَ ربي ... ليغفر ذنبيَ الربُّ الغفور
وهكذا نطقت فطرته السوية بحرمة ما يصنعون من الذبح والنحر تقربًا لغير الله -تعالى- الذي خلق وربّى وكبّر وأطعم وسقى وغذى ونفع فماذا يقول من يذبحون مئات الشياه عند قبر ولي أو نبي تقربًا إليه وتزلفًا له من دون الله -تعالى-؟ وماذا نقول لهم نحن؟
(1) من شعر ابن القيم طيب الله ثراه انظر: زاد المعاد (3/ 64) ، ومدارج السالكين (3/ 8) .