فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 675

وأول هذه الأحكام: لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله.

أحبتي في الله إن بعض الذين يذبحون عند الأولياء والمشاهد من إذا قلت له: لا تذبح عند هذه المشاهد والمقابر والأضرحة فإن من ذبح لغير الله فقد أشرك يقول لك: ومن قال لك إني أذبح لغير الله إنما أذبح هناك لله وليس لهذا الولي والقبر والضريح وإنما أذبح هناك لله وحده، فإن قلت له: فما هناك وبيتك إلا سواء فاذبح في بيتك يقول لك: أنا أقصد المكان الذي يجتمع فيه أكبر عدد من المساكين والمحتاجين بصنوفهم فأذبح بهذا المكان لأعطيهم، وهذه حجة ربما تروج على بعض الناس ويصدق بها لكن الشرع نظر إلى هذا الأمر من بُعد، نظر إلى زوايا الأمر كله واحتاط لدين الناس بما يعلمه الله من حاضرهم ومستقبلهم ومما يخفى عليهم، فحرم الذبح بالمكان الذي قد يذبح فيه لغير الله ولو كان صاحبنا هذا الذابح يذبح لله.

كما قال الله -تعالى- لنبيه ينهاه عن الإقامة بمسجد الضرار الذي أقامه المنافقون لا تقم فيه أبدا فهل ذلك لأن النبي كان سيصلي فيه لغير الله؟ قطعًا لا، ولكن لأن ذلك يلبس على الناس دينهم، لأن الشيء أصلًا لغير الله فمنع الله نبيه من الصلاة فيه لأنه ذريعة إلى الشك والريبة: هل هذه مشاركة أو مؤازرة للمنافقين أم لا، فقطع جذور الشك ونهى عن الصلاة فيه، فكذلك نهى الشرع عن الذبح في المكان الذي يذبح فيه لغير الله -تعالى-، ولو كانت نية الذي يذبح أنه يذبح لله -تعالى- وهذا ما قاله نبينا المختار -صلى الله عليه وسلم- فيما روى أبو داود بسند صحيح من حديث ثابت بن الضحاك -رضي الله عنه- قال: نذر رجل أن ينحر إبلًا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم: فقال:"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟"قالوا: لا قال:"فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟". قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم». [1]

فهذا رجل أراد أن يذبح لله فاستأذن النبي فسأله ـ وهو يعرف أنه موحد سيذبح لله ـ فسأله هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ هل كان فيها عيد من أعيادهم، يتثبت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه سيذبح في مكان لم يكونوا يذبحون فيها، فلما تيقن من أنه لا يوجد شيء من ذلك قال أوف بنذرك وهذا يدلنا ـ أيها الإخوة ـ على شيئين:

الأول: حرمة الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله.

الثاني: خطورة الذبح لغير الله وعظم جرمه فهذا ذبح لله ومع ذلك منع منه فما بالنا بالذبح لغير الله -تعالى-.

والخلاصة: لا يذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله.

(1) أخرجه أحمد (3/ 419) ، وأبو داود 3313، وصححه الألباني في المشكاة (3437) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت