فالله -تعالى- يخبر بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات، وتضمن مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده، وتوعد من لا يعمل بطاعته بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره، ولاحظ أخي الكريم هذا الارتباط في قوله -تعالى-:"وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر"فالصدقة والنذر كلاهما طاعة يتقرب بها العبد لله فكما أن الصدقة عبادة فالنذر عبادة وكلاهما يتزلف ويتقرب العباد به لربهم جل وعلا.
والله -تعالى- يخبر أنه يعلم بذلك ويجازي عليه الذين يعملونه، أما الذين يصرفونه لغير الله فيتوعدهم الله -تعالى- على ذلك بأن الله ينصر المؤمنين أما هم فما لهم من أنصار وهذا يدل على أن النذر كالصدقة طاعة، لأنه -تعالى- يجازي عليه، فهذه الآية أيضًا تبين لنا أن النذر عبادة يتقرب بها إلى الله كالصوم والصلاة.
ومن الآيات التي تدلنا على هذا المعنى ـ كذلك أيها الإخوة ـ قوله -عز وجل-:"وليوفوا نذورهم"وذلك أن الله -تعالى- أخبر أن من منافع الحج التي تعود على أهله والقائمين به منافع دنيوية ومنافع أخروية، أما منافع الآخرة فرضوان الله -تعالى- الذي يحصلونه بالطاعات التي يعملونها من الطواف بالبيت وذكر الله -تعالى- والهدى وغيرها من أعمال الحج ومن هذه العبادات الوفاء بالنذر الذي نذروه للبيت قال سبحانه:"وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) [الحج/27 - 29] "فأخبر الله أن الحج فرصة لوفاء الناذر لهدي أو ذبح أو غيره عند البيت أن يفي بنذره في هذا المكان المبارك وهذا لا يكون عليه من الله -تعالى- هذا الحث الشديد إلا إن كان عبادة من أجلّ العبادات.
ومن هذه الآيات التى تدلنا على أن النذر قربى وعبادة الآية التي قدمناها في صدر الخطبة وهي قوله -تعالى-:"يُوفُونَ بِالنَّذْرِ"فقد دلت على أن النذر طاعة وعبادة وقربى إلى رب العالمين -سبحانه وتعالى- يمدح أصحابها ويثنى عليهم ويعدهم الجزاء الحسن، فقد وردت هذه الآية في سياق صفات الأبرار في سورة الإنسان قال -تعالى-:"إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) [الإنسان: 5، 7] ". وهذا بلا شك ثناء ومدح وتعظيم لهذه الصفة في ضمن مدحهم وثنائهم وتعظيمهم وهو يدل ـ بلا شك ـ على أنها قربى وعبادة يحبها الله -تعالى- ويرضاها.