وبعض الناس يفهم خطأ أن النذر كله غير مرغوب فيه في الشرع المطهر فهمًا منهم لبعض الأحاديث التي فيها أن النذر لا يأتي بخير وأنه إنما يستخرج به من البخيل
والتحقيق أن النذر نوعان: نذر مجازاة ونذر ابتداء فنذر المجازاة هو أن يقول الشخص شيئًا يلتزم فيه قربة من القربات في مقابل حدوث نعمة أو اندفاع نقمة، كما نسمع من بعض الناس يقول: إن نجح ابني فعلي لله كذا أذبح خروفًا، أتصدق بمائة جنيه وهكذا أو يقول: إن شفى الله مريضي تصدقت، أو إن عافاني الله من هذه المصيبة سأحج إلى بيته، أو فلله على أن أصوم كذا يوم، فهذا علق النذر على حصول شرط وهذا معنى المجازاة.
وهذا النذر مكروه غير مستحب وترجع كراهته لأمور منها:
أولًا: أنها طاعة مشروطة على الله -تعالى- وهذه سوء معاملة مع الله -جل وعلا-.
ثانيًا: أن فيه سوء ظن بالله مع أنه الكريم المنان الذي يعطي بغير حساب.
ثالثًا: أن هذا حال البخيل الذي لا يوقع الطاعة إلا عند الحاجة والاضطرار ولذا روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تنذروا، فإن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل". [1]
وفي مسلم من حديث ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ:"النَّذْرُ لاَ يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلاَ يُؤَخِّرُهُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ». [2] "
وقال بعض أهل العلم: الدخول في النذر ابتداءً غير مرغّب فيه، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر، قال:"لا تنذروا"وذلك لأن الإنسان في سَعَة في أمور الطاعة غير الواجبة، إن شاء فعلها وله أجر، وإن شاء تركها ولا حرج عليه، والله لا يحب لنا أن نكلف أنفسنا شيئًا لم يوجبه علينا: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ، وإدخال الإنسان نفسه في نذر غير واجب عليه في الأصل، قد يعجز، وقد يشق عليه، وعلى هذا تُنزَّل الأدلة التي تمدح الذين يوفون بالنذر، قال -تعالى-: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) } هذا مدح لهم، بعد أن ينذروا، ليس مدحًا للدخول في النذر، وإنما هو مدح للوفاء به بعد لزومه، فالإنسان إذا التزم شيئًا لله من الطاعة وجب عليه الوفاء، قال صلى الله عليه وسلم:"اقْضُوا اللَّهَ، فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» [3] ."
(1) أخرجه البخاري 6608، ومسلم 4329، وانظر: عون العلي الحميد (1/ 253) .
(2) أخرجه مسلم 4326.
(3) أخرجه البخاري 1852.