رابعًا وأخيرًا: كيف نحقق التوحيد في الواقع؟
أولًا: لحظات ثمينة: -أيها الإخوة-: إن أسعد فترات الحياة هي الفترات التي مرت على البشرية وهي على علاقة مباشرة واتصال لا ينقطع بالسماء، وهي تلكم الفترات التي عاش فيها أنبياء الله ورسله بين الناس، يبلغون عن الله رسالاته ويوصلون إلى خلقه أوامره ونواهيه، ولذلك بكى الفطناء الألباء الأذكياء لما انقطع هذا الاتصال بموت آخر الأنبياء، المصطفى صلى الله عليه وسلم، روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه ـ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِعُمَرَ رضي الله عنهم انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالاَ، لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟، مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَتْ: مَا أَبْكِى أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَكِنْ أَبْكِى أَنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا. [1]
عاشت البشرية -أيها الإخوة- هذه الفترات تتربى على عين الله وتصنع بتوجيهه، يقوم بإرشادها إلى تنفيذ ذلك وتطبيقه خيرة خلق الله وصفوتهم، في قيادة حكيمة وريادة رشيدة، فعاشت البشرية في ظل ذلك أسعد فترات حياتها.
وإن أسعد هذه الفترات على الإطلاق لهي الفترة التي شهدت فيها الدنيا وسعدت فيها الحياة بأعظم من خلق الله وأفضل من اصطفاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الفترة التي تقدر بعمر الزمن وتقدير الناس بثلاثة وعشرين عاما قضى النبي منها ثلاثة عشر في مكة المكرمة وعشرا في المدينة المعطرة (هذا بتقدير الزمان وأما بتقدير الحقيقة فليس لها حدود) عاش النبي صلى الله عليه وسلم، خلال هذه السنوات ـ طوال الأيام والليالي ـ يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يتلمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل وقوم المعوج ونشر أضواء الحق والتوحيد والإيمان على الدنيا كلها، كما تنشر الشمس أشعتها على الدنيا فتغمر الأكوان بضيائها.
عَمَّر النبي صلى الله عليه وسلم الحياة وأضاء الدنيا وأنارها يوم دعا الناس إلى نبذ الشرك والتمسك بالتوحيد، وترك الآلهة الكثيرة والاستمساك بعبادة العزيز الحميد، وصدع فيهم بقولة الحق في صيحته الخالدة:"يا أيها الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا". [2]
ومما زادني شرفًا وعزًّا وكدت بأخمصي أطأ الثريا
(1) أخرجه مسلم 6472.
(2) أخرجه أحمد (16066) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 22: رجاله رجال الصحيح. اهـ، وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن عبد الرحمن بن أبي الزناد ينزل عن رتبة الصحيح وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.