دخولي تحت قولك يا عبادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا
عاش النبي صلى الله عليه وسلم ـ أيها الإخوة ـ حياته كلها يعلم الناس معنى هذه الكلمة، وطريقة العمل بها، ووجوب الدعوة إليها والسعي لتبليغها، والحرص على أداء مقتضياتها.
حتى بدت في الأفق خاتمة هذه الدنيا الطيبة، ولاحت من بعيد طلائع التوديع لهذا العمر المبارك، وبدأت الأيام الأخيرة في حياة -المصطفى صلى الله عليه وسلم- العد التنازلي.
يوم تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف، ساعتها أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره ـ صلى الله عليه وسلم- وتتضح بعباراته وأفعاله وأحوله:
فها هو قد أنزلت عليه سورة النصر: بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
وها هو يعتكف في رمضان من السنة العاشرة، عشرين يومًا، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب قبل هذا، وتدارسه جبريل في رمضان الأخير القرآن الكريم مرتين، بينما كان لا يدارسه كل رمضان سبق إلا مرة واحدة. [1]
فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه وأوحى بذلك إلى الناس في إشارات كثيرة
فقال في حجة الوداع:"إني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا" [2]
وقال ـوهو عند جمرة العقبةَـ:"لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ". [3]
وفي أوائل صفر سنة 11 هـ خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم- إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأموات والأحياء، ثم انصرف إلى المنبر فقال:"إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني ـ والله ـ لأنظر إلى حوضي الآن". [4]
وبالفعل ـ أيها الإخوة ـ في اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11 هـ ـ وكان يوم الاثنين ـ شهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم- جنازة في البقيع، فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت حرارته حتى إنهم كانوا يجدون سورتها وأثرها فوق العصابة التي تُعصَّب بها رأسه، وبدأت أيام المرض التي دامت 13 أو 14 يومًا،
(1) أخرجه البخارى 3624.
(2) انظر تخريج فقه السيرة ص 456، للألباني.
(3) أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر رضي الله عنه.
(4) أخرجه البخاري 1344، وانظر في تفصيل ذلك: الرحيق المختوم (469) وما بعدها، المباركفوري.