فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 675

وتتابعت الأيام سراعًا على رسول الله تقربه من الآخرة وتبعده من الدنيا، فيبقى من عمر المصطفى أيام معدودة، بقي خمسة أيام بقى أربعة أيام، بل ثلاثة ثم يومان ثم ساعات، وجاءت اللحظات الأخيرة، اللحظات الثمينة التي يودع فيها المصطفى الدنيا، إنها أثمن لحظات الحياة على الإطلاق نعم ولا ريب فبعد لحظات قليلة سيغلق الباب الذي بين السماء والأرض وينقطع وحي السماء عن الأرض.

إنها لحظات ثمينة، تلك اللحظات الأخيرة من حياة الصلة الفريدة، الصلة المباشرة بين الصفوة من الخلق وبين الخالق سبحانه، وفي لحظة من هذه اللحظات ـ أيها الإخوة ـ أراد المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم - أن يترك بين يدي الأمة كتابًا يكتبه لها، لا تضل الأمة بعده أبدًا، أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم- أن يوصي الأمة وصية ثمينة بقدر هذه اللحظات الثمينة التي بقيت له في الحياة، أو لنقل: التي بقيت للحياة في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -، أراد المصطفى أن يوصي الأمة بوصية تحفظ على الأمة سيرها ومسراها وتضبط للأمة خطواتها في ممشاها، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لما اشتد بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم- وجعُه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لا تختلفوا بعده، فلما هموا بذلك نظر عمر فوجد النبي في غاية الإعياء ورأى أن لا يشقوا عليه، فقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللَّغًط فلما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم- ذلك قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع". [1]

فمات المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم- ولم يكتب ذلك الكتاب، وهذا من شؤم الاختلاف قال الحافظ الجليل ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاف قَدْ يَكُون سَبَبًا فِي حِرْمَان الْخَيْر، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِين لَيْلَة الْقَدْر بِسَبَبِ ذَلِكَ". [2] "

أيها الإخوة! حزن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لأجل فوات هذه الوصية حزنًا شديدًا بالغًا، لكنهم وهم الفطناء الألباء علموا أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بوصية عظيمة محفوظة إلى أن تقوم الساعة لا تتبدل ولا تتغير، نعم نظروا فوجدوا عوض تلك الوصية التي فقدوها بل هي بعينها وجدوها في كتاب الله تعالى وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء: التوحيد أولًا.

أيها الإخوة! روى الترمذي وحسنه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال:"من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه"، أي: التي كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وسلم- التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى:"قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ"

(1) أخرجه البخاري 114.

(2) فتح الباري (1/ 182) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت