مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) ". [1] "
آيات محكمات هن أم الكتاب كما قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما [2] هذه هي وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرسول الله أوصى بوصايا أولى هذه الوصايا أن أوصى بتوحيد الله جل في علاه كما توضح هذه الآيات ولهذا أيها الإخوة كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على هذه الآيات الثلاث ففي مستدرك الحاكم وصححه من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيكم يبايعني على ثلاث، ثم تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الآيات حتى فرغ منها [3] ، وفي هذا ـ أيها الإخوة ـ ما يدعونا إلى تدبر هذه الآيات وبخاصة إذا لحظنا هذا الختام العجيب الذي ختمت به كل آية من الآيات الثلاث يقول سبحانه:"ذلكم وصاكم به"، أي هذا أوصاكم به ربكم -عز وجل- وأمركم به وأكد عليكم فيه.
قال ابن عطية: الوصية هي: الأمر المؤكد المقرر [4] ، فهذه الآيات الثلاث أيها الإخوة هي وصية الله تعالى لعباده وهي وصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته، لذلك وجب على كل من قرأ هذه الآيات أن يتدبرها ويتفهم ما فيها.
وإذا تأملنا أيضا ما بعد هذه الكلمة من الآيات وهي قوله تعالى في الآية الأولى"لعلكم تعقلون"وفي الآية الثانية"لعلكم تذكرون"وفي الآية الثالثة"لعلكم تتقون"ولهذا الترتيب سر كما قال شيخ المفسرين، قال الطبري: ذكر أولًا (لعلكم تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون) لأنهم إذا عقلوا تذكروا فإذا تذكروا خافوا واتقوا. [5] "وإذا تدبرها الإنسان وعمل بها حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة المذكورة: العقل والتذكر والتقوى". [6]
فإذا نظرنا إلى هذه الوصية أيها الإخوة نجدها قد اشتملت على الأمر بعشر وصايا وكانت أولى هذه الوصايا العشر الأمر بتوحيد الله بدأ الله هذه الوصايا المؤكدات والأوامر الواجبات بالأمر بإفراده سبحانه بالعبادة وتوحيده -عز
(1) أخرجه الترمذي (3070) .
(2) المستدرك (2/ 317) .
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 318) ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
(4) المحرر الوجيز - (2/ 493) .
(5) تفسير الطبري - (12/ 220) .
(6) القول المفيد (1/ 25) .