ثالثا: هو حجة وبرهان على الذين يذهبون إلى السحرة والمشعوذين والدجالين والكهان ممن يدعون معرفة الغيب وإنما هم في الحقيقة يتلقون عن الشياطين كما أوضح النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث، ومن عظيم ما قرأت في هذا الباب ما روى البخاري في قصة إسلام عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وهي من أصح ما ذكر في إسلام عمر وذلك من حديث عبد الله بن عمر الشبل فقد حدث عن أبيه الليث الهصور عمر بن الخطاب، قَالَ عبد الله: مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَىْءٍ قَطُّ يَقُولُ إِنِّى لأَظُنُّهُ كَذَا. إِلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ، بَيْنَمَا عُمَرُ جَالِسٌ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ فَقَالَ لَقَدْ أَخْطَأَ ظَنِّى، أَوْ إِنَّ هَذَا عَلَى دِينِهِ فِى الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنَهُمْ، عَلَىَّ الرَّجُلَ، فَدُعِىَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، قَالَ فَإِنِّى أَعْزِمُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا أَخْبَرْتَنِى. قَالَ كُنْتُ كَاهِنَهُمْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَ فَمَا أَعْجَبُ مَا جَاءَتْكَ بِهِ جِنِّيَّتُكَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِى السُّوقِ جَاءَتْنِى أَعْرِفُ فِيهَا الْفَزَعَ، فَقَالَتْ أَلَمْ تَرَ الْجِنَّ وَإِبْلاَسَهَا وَيَأْسَهَا مِنْ بَعْدِ إِنْكَاسِهَا وَلُحُوقَهَا بِالْقِلاَصِ وَأَحْلاَسِهَا قَالَ عُمَرُ صَدَقَ، بَيْنَمَا أَنَا عِنْدَ آلِهَتِهِمْ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ فَذَبَحَهُ، فَصَرَخَ بِهِ صَارِخٌ، لَمْ أَسْمَعْ صَارِخًا قَطُّ أَشَدَّ صَوْتًا مِنْهُ يَقُولُ يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ رَجُلٌ فَصِيحْ يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. فَوَثَبَ الْقَوْمُ قُلْتُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا ثُمَّ نَادَى يَا جَلِيحْ، أَمْرٌ نَجِيحْ، رَجُلٌ فَصِيحْ، يَقُولُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَقُمْتُ فَمَا نَشِبْنَا أَنْ قِيلَ هَذَا نَبِىٌّ. [1]
أي هذا الطالب الخير! ياعبد الله! أما يكفيك رب العالمين الذي قال عن نفسه وشأنه: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) [يونس: 104 - 107]
بلى وربي إنه لكاف وما أنتم بموقنين ولو وقر اليقين في قلوبكم لعلمتم أن ما تعولون عليه من أصحاب الأضرحة وغيرهم، لا يجلب خيرًا ولا يدفع شرًا، وغدًا تعلمون.
رابعًا: وأخيرًا هو حجة على كل غافل لاه عاص قاس القلب لايدرى آيات الله ولا يخضع لسلطان ولا يستجيب لأوامره ولا ينهى عن معاصيه فيا عاصى الله ما أقبح فعلك وما أغفل عقلك!
يا غافلًا في لهوه والموت يخطو نحوه
إلى متى تحيا على إثم وترضى فعله
تحب أن تعصي الإله وتستحي ممن سواه
(1) أخرجه البخاري (3866) .