الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد، فيا أيها الإخوة!
إذا علمنا هذه المنزلة العظيمة للملائكة ورأينا فيهم هذه المكانة العالية من الناحية الجسدية ومن الناحية التشكيلية ومن ناحية القوة والقدرة فرأيناهم مع ذلك كله أكثر شيء خضوعًا وعبادة وذلُّا لله تعالى ففي هذا حجة وبرهان عظيمان، على من؟
أولًا: على الذين عبدوا الملائكة، نعم تخيلوا أن هناك من عبد الملائكة وتقرب إليها بالطاعة من دون الله يظن أنها تنفعه بالخير أو تدفع عنه الشر؟ ولذلك الملائكة يأتون يوم القيامة فيتبرأون من عابديهم يوم القيامة وما فعلوا.
قال تعالى:"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42) ، سبأ 40 - 42."
يجمع الله المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق ويأتي بالملائكة فيسأل المشركين الذين كانوا يعبدون الأنداد والأصنام يزعمون أنها الملائكة ويقولون هم بنات الله ويزعمون أنها تزلفهم وتقربهم من الله تعالى، فيوبخهم ويقرعهم ويسأل الملائكة أمامهم: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟! هل أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فتقول الملائكة:"سبحانك تعاليت وتباركت وتقدست وتنزهت يا ربنا عز شأنك وتقدست آلاؤك ولا شريك لك لا ينبغي أبدًا أن يكون لك ولد. فنحن عبيدك وأنت ولينا من دونهم، نبرأ إليك منهم ومن أفعالهم، بل كانوا يعبدون الجن والشياطين أكثرهم بهم مؤمنون، فهم الذين يزينون لهم الباطل ويحسنون لهم القبيح ويدعونهم إلى الشرك، أما فنحن فبرءاء."
فهذه حجة وبرهان على الذين يعبدون الملائكة.
ثانيًا: هو برهان وحجة على الذين يتقربون بالعبادات لغير الله -عز وجل- من أصحاب الأضرحة والمشاهد والقبور فهذه الملائكة تخاف ربها وتعلن براءتها ممن عبدها، فهى لا تملك شيئًا لمن تقرب إليها بل وتبرأ يوم القيامة منهم ومن قرباتهم وأعمالهم فأولى وأولى من كان دونهم من الأولياء والصالحين، فاعتبروا عباد الله واعلموا بأن الذي يملك النفع والضر هو الله وحده.