فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 675

يزني بامرأة فذهبوا ليمسكوه فأفلت فلاحقوه حتى أتى على شاطئ فمشى في البحر على الماء، فما استطاعوا أن يمشوا وراءه وذهبوا إلى المرسي أبي العباس وقالوا: كيف يزني ويمشي على الماء؟ فقال:"إن الكريم إذا وهب ما سلب".

أهذا كلام يعقل يا أولي الألباب؟ وهل مثل هذه السخافات تعد كرامات؟ إن الكرامة لا تكون لعاص أبدًا، إنما هذه إهانة ومذلة من الله لمن عصاه واستدراج له من الله.

فمن شرائط الكرامة أن لاتحل حرامًا ولاتحرم حلالًا، ذلك أن الولى تابع للشرع الذى جاء به النبى - صلى الله عليه وسلم -.

ومن شرائط الكرامة أن تكون لحي يرزق بين الأحياء أو ميت لكن يبلغ بها عن طريق حي، لكن الميت لا يظهر كرامة بنفسه فليس هناك ميت مثلًا يستعصي أو يتأبى على حاملي نعشه يقول بلسان حاله لحامليه: لا تذهبوا بي إلى القبور واذهبوا بي إلى المسجد لتدفنوني فيه، أو يرغمهم بالقوة على ذلك، هذه ليست كرامة وإنما هي حيلة وجريمة شيطانية، إذ كيف تكون كرامة وقد نهى النبي أن تتخذ المساجد قبورًا وأن ندفن فيها موتانا ولعن الذي يفعل ذلك كما روى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي مات فيه:"لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". قالت عائشة: يحذر ما صنعوا. [1]

وليس هناك نعش يطير في الهواء إنما الميت الكريم على ربه يدفن في الأرض كما دفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير الخلق وكما دفن الأنبياء والصحابة والأئمة بين قبور المسلمين هذه كلها لا تكون كرامات بل إهانات.

ومن شرائط الكرامة أيضًا: أن تكون لحاجة فالكرامة ليست ألعوبة في يد الذي تجري على يديه إنما يعطيها الله إياه في وقت يحتاجها بل في وقت أشد ما يكون حاجة إليها أما ما سوى ذلك فلا؛ كما صاح عمر بن الخطاب رضي الله عنه"يا سارية الجبل الجبل"تلك الصيحة نجت بها جيوش المسلمين من بين فكي أعداء الله الكافرين وكما نجا أبو مسلم الخولاني من نار الأسود العنسي حين كان وحده ولم يكن به طاقة للدفاع عن نفسه.

والإمام القرطبي -رحمه الله تعالى- يذكر في تفسيره عند قوله تعالى:"وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا"قال: ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن"منثور"من أعمال قرطبة شيء من الكرامة، وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا

(1) أخرجه البخاري (435) ومواضع، ومسلم (531) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت