فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 675

وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبكه، يعنون شيطانًا، وأعمى الله -عز وجل- أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمدًا كثيرًا على ذلك. [1]

ويقص الحافظ ابن عساكر في كتابه العظيم تاريخ دمشق كرامة لولي من الأولياء هو عبد الواحد بن واقد فيقول: حدثني محمد بن إسماعيل الفرغاني قال: كنت مع عبد الواحد بن واقد فخرجنا نحو الزبداني - مكان- فإذا نبطية معها حمارة قد سخرها جندي فلما خلي بها راودها عن نفسها فمنعه عبد الواحد من ذلك، وقال: دع المرأة فأبى ولح فغضب عبد الواحد من ذلك غضبًا شديدًا وقال: ويلك دع المرأة فأبى وقال لغلمانه: خذوه أي يأخذوا عبد الواحد، فالتفت إليه عبد الواحد وقال: يا أرض خذيه فأخذته الأرض ومضت المرأة يقول الفرغانى: فقلت له: لا أصحبك فقال: ولم؟ قلت: أنا بشر لا آمن أن أزل زلة فتفعل بي مثل ما رأيت فقال: يا أبا بكر ما هذا حالي ولكن الله أراد أن يريكم آية. [2]

ولذلك -أيها الإخوة- فمن آداب الكرامة الاستتار بها وعدم المراءاة بإظهارها إلا إذا كانت هناك حاجة تدعو إلى إظهارها فيظهرها صاحبها ولذلك قالوا: إن الولي يستتر من كرامته كما تستتر المرأة من حيضتها، وكانوا يقولون:"كل ما ظهر من عملنا لا نعده شيئًا"فإذا تحقق لدى الناس صدق ولاية من ظهرت ولايته لحفاظه على الواجبات وتركه وهجره لسائر المنكرات وجب عليهم أن يتعاملوا معه أيضًا بحدود الشرع دون مبالغة أو إطراء فيقفون به عند حده، إن هو إلا عبد أنعم الله عليه وجعله مثلًا وقدوة تحتذى فيهم، فليعرفوا له مكانته وليقتدوا به في عمله، هذا هو الحد الشرعي للولي سواء كان حيًّا أو ميتًا، أما المبالغات والغلو والإطراء والمزايدة على ما ذكرنا فكل ذلك مرفوض في دين الله -عز وجل-، لأن أصحابه هالكون بتنطعهم وغلوهم ذلك، هلك من سبق ويهلك من لحق بالغلو في الصالحين كما بيّن ذلك خير بيان سيد الأنبياء والمرسلين، نعم لا يجوز الغلو في أحد من الأولياء بل ولا الأنبياء بل ولا سيدهم وإمامهم ومسك ختامهم المصطفى عليه الصلاة وأتم التسليم، والأدلة على ذلك متوافرة متكاثرة.

نحن لا نلقى بالكلام جزافًا ولانطلقه عبثًا بل هذا ما علمنا إياه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". [3]

(1) تفسير القرطبي (10/ 270) .

(2) تاريخ دمشق - (37/ 290) .

(3) أخرجه البخاري (3445) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت