وهنا استفهام جدير أن نتوقف أمامه فأغالب الأحاديث التي ذكرناها تحدد بالذات قبور الأنبياء فهل معنى ذلك أن النهى عن اتخاذ القبور مساجد خاص بقبورهم هم دون غيرهم أو أنه عام في كل قبر يتخذ مسجدًا؟
والجواب: بل هو عام في كل قبر يتخذ مسجدًا لكن لما كان فضل قبر النبي على غيره يجعل الناس يستولونه على غيره فيتخذونه مسجدًا نبه النبي عليه وفي هذا تنبيه على ما سواه لأنه إذا امتنع في حق الأنبياء فامتناعه في حق غيرهم أولى وأولى.
والمقصود -أيها الإخوة- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن اتخاذ القبور مساجد ولعن من فعله وشدد في ذلك جدًّا واتخاذ القبور مساجد معناه يشمل:
1 -الصلاة على القبور بمعنى السجود عليها. 2 - السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء، 3 - بناء المساجد عليها للصلاة فيها.
قال ابن حجر الهيثمي في كتابه الزواجر عن اقتراف الكبائر واتخاذ القبور مساجد معناه:"الصلاة عليه أو إليه" [1] وكذا قال الصنعاني في سبل السلام. [2]
وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا تصلوا إلى قبر ولاتصلوا على قبر". [3]
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبنى على القبور أو يقعد عليها أو يصلى عليها". [4]
وعن أنس -رضي الله عنه- أنه سئل عن الصلاة وسط القبور قال ذكر لي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"كانت بنو إسرائيل اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فلعنهم الله تعالى". [5] فيكون اتخاذ القبور مساجد معناه السجود على القبور والصلاة عليها وأيضًا السجود إليها واستقبالها بالصلاة والدعاء وكذلك من معانيها بناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها.
(1) الزواجر عن اقتراف الكبائر - (1/ 385) .
(2) سبل السلام - (2/ 38) .
(3) أخرجه الطبراني في"المعجم الكبير" (3/ 145 / 2) ، وهو في الصحيحة (3/ 13) .
(4) رواه أبو يعلى في"مسنده" (ق 66/ 2) وإسناده صحيح وقال الهيثمي (3/ 61) :"ورجاله ثقات"، وانظر أحكام الجنائز (ص 207) ، وتحذير الساجد (29) .
(5) رواه عبدالرزاق (1591) وهو مرسل صحيح الإسناد وموضع الشاهد منه أنه استشهد بالحديث على النهي عن الصلاة بين القبور فدل على أنه يعني المعنى المذكور، انظر: تحذير الساجد - (ص 29) .