فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ. فَلاَ نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلاَ سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلاَّ نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ. [1]
وفي الحلية لأبي نعيم عنه أيضًا قال:"كنا نعمد إلى الرمل فنجففه ونحلب عليه فنعبده وكنا نعمد إلى الحجر الأبيض فنعبده زمانًا ثم نلقيه". [2]
وفي لفظ:"كنا نجمع التراب في الجاهلية فنجعل وسطه حفرة فنحلب فيها ثم نسعى حولها ونقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك". [3]
فالجاهلية سفه في العقل وحقارة في النفس وتقليل للشأن وإهانة لكرامة الإنسان الذي كرمه ربه تفشت في الناس بعد خفوت النور الذى كان قد بقى من أثر عيسى والنبيين من قبله فخلقت مجتمعًا مهلهل العقيدة مشتتًا في وجهته وغايته لا يعرف هدفًا مثله مثل الأشياء من حوله وما أصدق قول شوقي:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
قال ابن إسحاق: لما رجع الأنصار الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة الثانية إلى المدينة أظهروا الإسلام بها، وفي قومهم بقايا من شيوخ لهم على دينهم من الشرك منهم عمرو بن الجموح، وكان ابنه معاذ بن عمرو ممن شهد العقبة وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وكان عمرو بن الجموح من سادات بني سلمة وأشرافهم، وكان قد اتخذ صنما من خشب في داره يقال له مناة كما كانت الأشراف يصنعون، تتخذه إلها يعظمه ويظهره، فلما أسلم فتيان بني سلمة، ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بني سلمة وفيها عذر الناس منكسا على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلكم من عدا على إلهنا هذه الليلة؟ ثم يغدو يلتمسه حتى إذا وجده غسله وطيبه وطهره ثم قال: أما والله لو أعلم من فعل بك هذا لأخزينه.
فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه، ففعلوا مثل ذلك، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى، فيغسله ويطيبه ويطهره، ثم يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مثل ذلك، فلما أكثروا عليه، استخرجه من حيث ألقوه يوما، فغسله وطهره وطيبه.
ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، ثم قال له: إني والله ما أعلم من يصنع بك ما أرى، فإن كان فيك خير فامتنع، هذا السيف معك.
(1) أخرجه البخاري 4376.
(2) حلية الأولياء - (1/ 348) .
(3) نفسه (1/ 348) .