والأرض مملوءة جورًا مسخرة لكل طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته وقيصر الروم من كبر أصمُّ عم
يعذبان عباد الله في شُبه ويذبحان كما ضحيت بالغنم
والخلق يفتك أقواهم بأضعفهم كالليث بالبهم أو كالحوت بالبلم
والجاهلية قبل الإسلام -أيها الإخوة- قتل وتشريد بلا حق، وارتكاب للفواحش والموبقات بلا عقوبة، وسفك للدماء بأقل سبب بل ربما بلا سبب، أكل لمال اليتيم والفقير والمسكين بادنى الحيل بل وبغير حيلة بغيًا وعدوانًا، تقطيع للصلات وتمزيق للأرحام، وها هو ذا شاهد صدق شاهد من أهلها ينقل إلينا طرفًا من أوصافها وما كانت عليه يقول جعفر بن أبي طالب مخاطبًا النجاشي ملك الحبشة: أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسبي الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءنا به من دين فعبدنا الله وحده، فلا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث" [1] وظل الشهيد الطيار جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- في حديثه مع النجاشي عن مساوئ الجاهلية حتى أقنعه بخبث ما كانوا عليه وطيب وجمال ما صاروا إليه حتى ترك بذرة الإيمان في قلب النجاشى أصحمة رضى الله عنه فإذا بها تزهر بعد ذلك وتترعرع ويصير النجاشى موحدًا ويموت موحدًا."
والجاهلية قبل الإسلام -أيها الإخوة- عصبية بغيضة على أساس من القرابة أو الحلف بعيدًا عن الصواب والحق:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم على ما قال في النائبات برهانًا.
والجاهلية سفاهة وجهل وطيش، أنا ومن بعدي الطوفان، لا أبالي إن نجوت نجا الناس أو هلكوا.
كما قال شاعرهم:
(1) أخرجه ابن إسحاق في السيرة كما في ابن هشام (1/ 334، وما بعدها) ، وصححه الألباني في تخريج فقه السيرة للغزالي (114) .