قال العلامة الشنقيطي: وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة وكفى بدخول الجنة خلاقًا ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة". وأيضا: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة: 102] أي من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذًا بالله تعالى."
وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه. [1]
وكذا قوله سبحانه:"وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ"
وقال -عز وجل- في غير هذه الآية:"ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت"قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الجبت: السحر، وقال جابر: الطاغوت: كهان كان ينزل عليهم الشياطين في كل حي واحد الآن، أكمل الآية والتي بعدها"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلًا (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) ".
هذا كتاب الله -عز وجل- أوضح لنا أن السحر كفر وأن الساحر كافر، وأما في السنة على صاحبها أفضل الصلوات وأزكى التسليم فقد روى الشيخان من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلاَتِ» . [2]
فبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسحر بعد الشرك ليدلنا على خطورة أمره ومعنى الموبقات: المهلكات. فتعلم السحر وتعليمه واستعماله مهلك وموقع في الشرك والكفر بالله تعالى حتى لو تعلمه الإنسان ولم يعمل به، وليس هناك حديث ولا أثر بمعنى ما يفترى الناس على رسول الله أنه قال: تعلموا السحر ولا تعملوا به، لا، ما قال هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ورد عنه، لا في كتب السنة ولا غيرها وقد نص أهل العلم على ما ذكرنا قال الإمام مالك -رحمه الله-:"إن تعلم السحر وتعليمه كفر وإن لم يعمل به"
قال العلامة الدردير: وهذا ظاهر إذ تعظيم الشياطين ونسبة الكائنات إليها لا يستطيع عاقل يؤمن بالله أن يقول فيه: إنه ليس بكفر. [3]
(1) أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن - (4/ 112) .
(2) أخرجه البخاري (2766) ومسلم (89) .
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (6/ 282) ، نقلًا عن عون العلي الحميد 1/ 390. بتصرف.