فليْتَبوَّأ بين عيني جهنم مقْعدا، قيل: يا رسولَ الله، ولها عينان؟ قال: أما سَمِعتم قول الله -تعالى-: {إذا رأَتهُمّ من مكان بعيد سَمِعُوا لها تَغَيُّظا وزفيرا} [الفرقان: 12] يخرج عنق من النار، له عينان تبصران، ولسان ينطق، فيقول: وكِّلْتُ بَمن جعل مع الله إلها آخر، فلَهُوَ أبْصَرُ بهم من الطير بِحبِّ السمسم، فيلتقطهم، فيحبس بهم في جهنم» [1] . في هذا المشهد، في الحر الشديد والزحام الرهيب وفي هذا التدافع في هذا الموقف الذي ترتعد منه الفرائص وتشيب له الرءوس، ويهتز له الوجدان فإن الأنبياء حينما يرون هول هذا الموقف لا يملكون إلا أن يقولوا: اللهم سلم سلم.
هذه دعوتهم يومها، والكلام يومئذ مقتصر عليهم دون غيرهم لا يتكلم يومها إلا الرسل، يومها تذهل كل مرضعة عما أرضعت، تترك رضيعها، وتضع كل ذات حمل حملها وينتاب الناس الهلع والرعب حتى تظنهم سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد.
يومئذ يفر المرء من أبيه وأمه وأخيه وصاحبته وينسى الابن أبويه اللذين كان يبرهما في دنياه، وألان لهما الجانب وأطاعهما في غير معصية الله، يومها يفر الأخ من أخيه فلم تعد هناك روابط نَسَبية!!
ويومها تفر الزوجة من زوجها الذي أعطى لها في الدنيا كل عطف وحنان ورعاية وصحبة جميلة حسنة فلم تعد هناك أيضًا روابط زوجية.
يومها ترى الأم الحنون ترمي بطفلها في غير وعي فلا أمومة في هذا الموقف الرهيب المخيف، كلٌ يقول نفسي نفسي! حتى الأنبياء والرسل، كلٌ له شأن يلهيه استمع لقول مولاك -عز وجل-:"فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه".
في هذا الجو الخانق الزحام شديد والشمس تكاد تصهر الرءوس بحرارتها والجموع تتدافع والسؤال همس والكلام تخافت وجلال الحي القيوم غمر المكان بالهيبة وثمت أهوال وأهوال.
يوم تجثو كل أمة
في دياجير الملمة
للسؤال عن المهمة
(1) أخرجه الترمذي 2574، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 2451، الصحيحة (512) ، والرواية الأخرى ذكرها ابن الأثير في جامع الأصول من
أحاديث الرسول (10/ 8065) .