قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه، وقال لي:"أفلحت يا سواد": فقال له عمر: هل يأتيك رئي الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونعم العوض كتاب الله من الجن [1]
هذا خبر من أخبار الكهان -أيها الإخوة- لنعلم أن الذي يحدثون به إنما هو من وحي الشياطين وهنا يثور سؤال قد يستحي صاحبه من إعلانه والجهر به وهو: ولكن بعض هؤلاء العرافين والكهان يخبروننا أيها الشيخ بشيء فيكون تمامًا كما أخبروا به فما هو تفسيرك لذلك؟ وأقول: إن الصادق - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرنا عن هذا كما في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث أمنا عائشة قالت: سأل أناس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الكهان فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ليسوا بشيء". قالوا يا رسول الله فإنهم يحدثون أحيانًا الشيء يكون حقًا. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة". [2]
وفيهما أيضًا أن عبد الله بن عباس قال: أخبرني رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمى بمثل هذا". قالوا الله ورسوله أعلم كنا نقول ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فإنه لا يُرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا -تبارك وتعالى- اسمه إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا ثم قال الذين يلون حملة العرش لحمة العرش ماذا قال ربكم فيخبرونهم ماذا قال - قال - فيستخبر بعض أهل السموات بعضًا حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون". [3]
وربما قال قائل: إن هذا كان في الجاهلية قبل البعثة أما الآن فإن الكهان لا يستعينون بالشياطين والجواب: بل هذا مستمر إلى الآن ولذلك يرمى إلى اليوم بالشهب وإن كان قليلًا بعدما نزل القرآن وحرست السماء وجبن الجن عن استراق السمع ولذلك قلت إصابتهم عما كان قبل الإسلام، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: كانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرةً جدًا فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حُرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى:"إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب" [4] فاتقوا الله -أيها الإخوة- والزموا حدود الله. لكن ما هو -أيها الإخوة- حكم الشرع في هذه الأمور؟
(1) دلائل النبوة للبيهقي (1/ 248) .
(2) أخرجه البخاري 6213 ومسلم 5953.
(3) أخرجه مسلم (2229) .
(4) فتح الباري لابن حجر - (16/ 291) .