فهرس الكتاب

الصفحة 458 من 675

فهذا إبراهيم عليه السلام يلقى في النار التي لو قدر الله لها أن تأكله لما تحمل منها ذرة ولما قضى فيها ثانية بل ينتهي الأمر وينقضي في لمح البصر، فماذا قال إبراهيم حتى ينجو؟ تعلق قلبه بالله وحده وأعلن ذلك قائلًا: حسبي الله ونعم الوكيل فقال الله لجنديه النار"كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم"فخرج منها عليه السلام لم يمس بسوء.

روى البخاري وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِىَ فِى النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ قَالُوا: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [1] فهذا الخليل يلجأ إلى الله في الشدة بتجريد التوكل والتجرد من الحول والقوة إلى الاعتماد على رب البرية فيفرج الله شدته ويبدد الله ظلمته ويفك الله كربته.

وهذا الكليم موسى عليه السلام يخرج من مصر ببني إسرائيل هاربًا من بطش فرعون الذي لو أدركهم لن يفلت منهم اليوم الكبار ويذبح الصغار كما كان يفعل، بل يقضي على الصغار والكبار في آن وقدر الله أن يذهب موسى ليلًا بقومه فيتجهون إلى البحر وينتهون إلى شاطئه وما إن وصلوا حتى سمعوا صوت صهيل الخيول وصليل السيوف فعرفوا أن فرعون وجنوده قد لحقوا بهم وتخيلوا مع هذا هدير شلالات الدم التي تقام بعد قليل من صلب وقتل وقطع ونسي القوم العظيم الجليل الذي أمرهم ابتداء بالخروج والتفتوا إلى موسى قائلين:"إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) [الشعراء: 61] هذا الجيش قد أتى وهذا البحر قدامنا منعنا من مواصلة السير فإلى أين المفر؟ إنا لمدركون لا محالة لا مفر لا محيد لا مهرب. فقطع موسى الكليم عليه السلام هذه الوساوس قائلًا في ثقة واعتماد وتوكل على الله:"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ" (62) [الشعراء: 62، 63] نعم"معي"هذه الكلمة كافية أن تطمئن النفوس الهالعة والقلوب المفزّعة فارتدت النفوس إلى القلوب لتطمئن القلوب بدورها الأطراف والجوارح قائلة بلسان الحال طالما"معي"فقد أعد المهرب والمفر، قد أعد موسى عدته حتى لهذا الموقف فلتهدأوا ولتطمئنوا لا تقلقوا، ولهذا السبب -أيها الإخوة- قدم موسى عليه السلام لفظة المعية على لفظة الربوبية فقال:"إن معي ربي"ولم يقل إن ربي معي، ذلك لأنه يخاطب أنفسًا في شك وريب وتردد لاتتمتع بثقه ولم يرسخ في قلوبها إيمان أو يقين، وأنجى الله موسى ومن معه كما قال -عز وجل-"فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) [الشعراء: 63 - 68] .

أيها الإخوة! إذا كان هذا موقف الخليل وهذا موقف الكليم فإن موقف الحبيب كان أعظم وأجل وأعلى .. نعم فها هو الحبيب النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهجرة المباركة تلك الرحلة التي تجلت فيها حقائق الإيمان والتوكل معًا مقترنين يخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الهجرة بعدما أخذ بالأسباب جميعها كما سأبين بعد قليل وكان آخرها الاختباء في الغار ولكن يقدر الله أن يصل

(1) أخرجه البخاري (4563، 4564) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت