ولو لم يكن إلا هذه الآية التى حذر الله فيها من الظن به ما لم يرده في كتابه ولم يدل عليه رسوله لكانت كافية أن يخافه الناس ولا يركنوا إلى أمان قال تعالى:"وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين".
ومن عاقبة الأمن من مكر الله ما قص الله تعالى في كتابه العزيز من قصة بلعام. وأنه سلب الإيمان بعد العلم والمعرفة قال تعالى: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلًا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) وكانت قصته -على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم - أن موسى لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قوم بلعم إلى بلعم -وكان عنده اسم الله الأعظم على ما يقال -فقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جند كثير، وأنه جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل، وأنت رجل مجاب الدعوة، فاخرج فادع الله أن يردهم عنا، فقال: ويلكم نبي الله ومعه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم، وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي، فراجعوه وألحوا عليه فقال: حتى أؤامر ربي، وكان لا يدعوه حتى ينظر ما يؤمر به في المنام فآمر في الدعاء عليهم، فقيل له في المنام لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد آمرت ربي وإني قد نهيت فأهدوا إليه هدية فقبلها، ثم راجعوه فقال: حتى أؤامر، فآمر، فلم يوح إليه شيء، فقال: قد آمرت فلم يجز إلي شيء، فقالوا: لو كره ربك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى، فلم يزالوا يتضرعون إليه حتى فتنوه فافتتن فركب أتانا له متوجهًا إلى جبل، يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له: حسبان، فلما سار عليها غير كثير ربضت به، فنزل عنها فضربها حتى إذا أذلقها قامت فركبها، فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت، فركبها فلم تسر به كثيرًا حتى ربضت، فضربها حتى أذلقها، فأذن الله لها بالكلام فكلمته حجة عليه، فقالت: ويحك يا بلعام أين تذهب بي؟ ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا؟ أتذهب بي إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم؟ فلم ينزع، فخلى الله سبيلها فانطلقت حتى إذا أشرفت به على جبل حسبان جعل يدعو عليهم ولا يدعو عليهم بشيء إلا صرف الله به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف الله به لسانه إلى بني إسرائيل. فقال له قومه: يا بلعام أتدري ماذا تصنع إنما تدعو لهم علينا؟! فقال: هذا ما لا أملكه، هذا شيء قد غلب الله عليه، فاندلع لسانه فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جمِّلوا النساء وزيِّنوهن وأعطوهن السلع، ثم أرسلوهن إلى العسكر يبعنها فيه، ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنا رجل واحد منهم كفيتموهم، ففعلوا فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة من الكنعانيين، اسمها كستى بنت صور، برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب، فقام إليها فأخذ بيدها حين [أعجبه جمالها] ثم أقبل بها حتى وقف بها على موسى، فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك؟ قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا أطيعك في هذا، ثم دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني اسرائيل في الوقت، وكان فنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى، وكان