وإن سأل سائل ما الأسباب التى تدفع الإنسان الى اليأس من رحمة الله بالعبد إلى الأمن من مكر الله حتى نجتنبها فلا نقع فيها ونحذرها فلا تنزلق أقدامنا إليها؟
والجواب: للأمن من مكر الله سببان مهلكان:
أحدهما: إعراض العبد عن الدين وغفلته عن معرفة ربه وماله من الحقوق، وتهاونه بذلك فلا يزال معرضًا غافلًا مقصرًا عن الواجبات، منهمكًا في المحرمات، حتى يضمحل خوف الله من قلبه، ولا يبقى في قلبه من الإيمان شيء، لأن الإيمان يحمل على خوف الله وخوف عقابه الدنيوي والأخروي.
السبب الثاني: أن يكون العبد عابدًا جاهلًا معجبًا بنفسه مغرورًا بعمله فلا يزال به جهله حتى، يدل بعمله ويزول الخوف عنه، ويرى أن له عند الله المقامات العالية، فيصير آمنا من مكر الله متكلًا على نفسه الضعيفة المهينة، ومن هنا يخذل ويحال بينه وبين التوفيق، إذ هو الذي جنى على نفسه. [1]
ولذلك -أيها الإخوة- كانت عاقبة وعقوبة الأمن من مكر الله -عز وجل- وخيمة وعظيمة وأنا أسرد على مسامع حضراتكم بعضها عسانا نتعظ بها ونورد في ثنايا ذلك أحوال نبينا وسلفنا في المخافة منها فيا -أيها الإخوة- ذكر الذهبي في كتابه الكبائر والعهدة عليه قال: وفي الأثر: أنه لما مكر بإبليس - وكان مع الملائكة - طفق جبريل وميكال يبكيان فقال الله -عز وجل- لهما: ما لكما تبكيان؟ قالا: يا رب ما نأمن مكرك فقال الله تعالى:"هكذا كونا لا تأمنا مكري".
ولذلك أحبتي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك". فقيل له يا رسول الله أتخاف علينا فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء". [2]
وعَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَحْلِفُ «لاَ وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» . [3] ومعناه يصرفها أسرع من ممر الريح على اختلاف في القبول والرد والإرادة والكراهية وغير ذلك من الأوصاف قال تعالى:"واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه"قال مجاهد: المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما تصنع بنانه قال تعالى"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب"أي عقل واختار الطبري أن يكون ذلك إخبارًا من الله تعالى أنه أملك لقلوب العباد منهم وأنه يحول بينهم وبينها إن شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئًا إلا بمشيئة الله -عز وجل-.
(1) القول السديد ص 124، 126.
(2) أخرجه البخاري 7391.
(3) أخرجه البخاري 6617.