ولذلك روى أحمد وغيره من حديث عقبة بن عامر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا وهو مقيم على معاصيه ما يحب فإنما هو استدراج ثم تلا النبي - صلى الله عليه وسلم - فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) [الأنعام: 44] . [1]
فالأمن من مكر الله عظيم خطره كبير ضرره مستطير ومستطيل شره وشرره وهو محرم ينافي كمال التوحيد الواجب ولذلك جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:"أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون"فهذا دليل على أنه لا يجوز الأمن من مكر الله، فلا يغترن بالله أحد والآية سيقت مساق الإنكار والتعجب فالمؤمن الموحد -أيها الإخوة- في كل أحواله وشئونه ملازم للخوف والرجاء وهذا هو النافع وهو الواجب وبذلك تحصل السعادة.
قال العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: وإنما يخشى على العبد من خلقين رذيلين:
أحدهما: أن يستولي عليه الخوف حتى يقنط من رحمة الله وروحه، والثاني: أن يتجارى به الرجاء حتى يأمن مكر الله وعقوبته، فمتى بلغت به الحال إلى هذا فقد ضيع واجب الخوف والرجاء اللذين هما من أكبر أصول التوحيد وواجبات الإيمان.
فإن سأل سائل فما هى الأسباب التى تصل بالإنسان إلى القنوط واليأس من روح الله؟
قال السعدي -رحمه الله-: وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران:
أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله، لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفًا وخلقًا لازمًا، وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد، ومتى وصل إلى هذا الحد لم يرج له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي.
الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييأس من الرحمة، وهذا من المحاذير الضارة الناشئة من ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها.
فلو عرف هذا من ربه ولم يخلد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه.
(1) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (4926) "مجمع البحرين"، والبيهقي في شعب الإيمان (4540) ، وأحمد في مسنده (4/ 145) ، والدولابي في الكنى (1/ 111) ، وقد حسنه الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء.