فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 675

فالمكر إذا كان في محله فهو محمود، ولذا فمثل هذا لا يطلق على الله كاسم ولا كوصف وإنما يكون في مقام وسياق يدل على المدح والحمد.

ولذلك ما كان السلف رضوان الله عليهم يتحرجون من التحدث بمثل هذا في مثل هذا السياق والمقام كما سمعنا عن أبي بكر رضي الله عنه.

نعود -أيها الإخوة- لنجيب عن بقية الأسئلة التي طرحناها في بداية اللقاء ما حكم الأمن من مكر الله -عز وجل-؟

إن العبد الذي سولت له نفسه معصية الله -عز وجل- فاستمرأها واعتاد عليها وما عاد يصده عنها صاد ولا يرده عنها راد سواء كانت تلك المعصية ظلمًا لنفسه أو ظلمًا لغيره لهو عبد جاهل مغرور بحلم الله عليه وهو لا يدري أسكرته نشوة المعصية وأذهلته عن مقتضى التفكير الصحيح، فإن الله - أيها الإخوة- قال عن أقوام:"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (44) [الأنعام: 44] "كان المنتظر بعدما نسوا ما ذكروا، وعظوا فلم يتعظوا، ونصحوا فلم ينتصحوا، وذكروا فلم يتذكروا بل أعرضوا ونسوا كان من المنتظر أن يأتي العقاب من الله -عز وجل- بمثل: أخذناهم أخذ عزيز مقتدر، أو مثل: أنزلنا عليهم صاعقة من السماء، أو مثل: أمرنا الجبال فأهلكتهم أو البحار فأغرقتهم، لكن لم يحدث شيء من هذا كله بل حدث العكس من ذلك: فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء أغدقنا عليهم من كل الخيرات وجميع الأرزاق والنعم والمسرات ثم قال فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون"أي آيسون من كل خير، ولذلك قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى-:"من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ومن قتر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأي له ثم قرأ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) [الأنعام: 44] وقال: مكر بالقوم ورب الكعبة أعطوا حاجتهم ثم أخذوا، وقال قتادة: مكر الله بهم وما أخذ الله قومًا قط إلا عند سكرتهم وعزتهم ونعمهم، فلا تغتروا بالله فإنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. [1]

إي والله -أيها الإخوة- لا تغتروا بالله لا يقل أحدكم ربي يحبني والدليل أنه أعطاني وحباني وأنعم علي وأكرمني يقصد أنه أعطاه المال وأعطاه الأولاد وأعطاه الزوجة وأعطاه الوظيفة ثم يحسب أن الله بذلك يحبه ومن حرم من شيئ من هذا ظن أن الله -عز وجل- يكرهه ويهينه، لا، فهذا او هذا على خطأ فما هذه بعلامة حب وكرامة وما هذه بعلامة سخط وإهانة قال تعالى:"فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) [الفجر: 15، 16] ثم قال ربنا سبحانه"كلا"أي ليس الإعطاء دليل كرامة وليس المنع دليل إهانة وإنما الحال أنهما ابتلاء فمن شكر حين أعطى وصبر حين حرم فقد أفلح، ومن جحد حين أعطى وسخط حين حرم فقد خسر خسرانًا مبينًا."

(1) تفسير ابن كثير - (3/ 256) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت