وقبل أن أستطرد في إجابة باقي الأسئلة -أيها الإخوة- أود أن أجيب سؤالًا يتراءى لي، وأنظره يلوح على مخايل الوجوه التي أمامي يجول في الصدور يتحرج أصحابه من سؤاله ألا وهو أنني رددت مرارًا وتكرارًا لفظة (مكر الله) فما معنى ذلك، وكيف يوصف الله -تبارك وتعالى- بالمكر مع أن المكر ظاهره أنه مذموم؟
وأؤصل الكلام حول هذه النقطة تأصيلًا لا يختص بمقامنا هذا فحسب وإنما ليفيد إفادة عامة عند من يتعرض لمثل هذه الجمل في القرآن الكريم وهو يقرؤه أو في السنة النبوية وهو يطالعها.
فأقول -أيها الإخوة-: لقد ورد في القرآن الكريم أفعال أطلقها الله تعالى على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء كما لا يصح أن تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات كقوله تعالى:"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"وقوله تعالى:"ومكروا ومكر الله"وقوله تعالى:"نسوا الله فنسيهم"وقوله تعالى:"وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون الله يستهزئ بهم"ونحو ذلك من آيات، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى مخادع أو ماكر أو ناس مستهزئ تعالى ربي وجل عن ذلك ولا يقال: الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى هكذا على سبيل الإطلاق تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى-:"إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى ومن ظن ذلك فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود وتكاد الأسماع تصم عند سماعه وإنما غر هذا الجاهل أنه -سبحانه وتعالى- أطلق على نفسه هذه الأفعال". [1]
فلا يطلق على الله من هذه الأفعال شيء إلا في السياق الذي وردت فيه وهي حينئذ تدل على المدح والكمال، هذا هو منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة -أيها الإخوة- وهو المنهج الحق الذي يؤيده الفكر السليم والعقل الصحيح، فكيف يجوز أن نشتق لله وحده من هذه الأفعال أسماء كالماكر أو الناسى أو المخادع وكل أسماء الله حسنى وفضلى؟ كيف نقرن هذه الأسماء باسم الله الرحيم أو الودود أو الحكيم أو الكريم؟ والمقصود أن الله تعالى سمى نفسه بأسماء حسنة وصفات عليا ثم إنه أطلق على نفسه بعض صفات الأفعال على وجه الجزاء والمقابلة لمن فعل ذلك، فالماكر يمكر الله به والمخادع يخدعه الله من باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102] . [2]
فهذا من وجوه المكر والخداع له ومعلوم أن المجازاة على ذلك إن كانت من المخلوق فهي حسنة فكيف إذا كانت من الخالق -سبحانه وتعالى-؟!
(1) مختصر الصواعق (290 - 392) .
(2) أخرجه البخاري (4686) ومسلم (2583) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.