وقال الذهبي -رحمه الله تعالى-: وروي أنه كان رجل بمصر ملتزم المسجد للآذان والصلاة وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة فرقي يومًا المنارة على عادته للآذان وكانت تحت المنارة دار لنصراني ذمي فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار وكانت جميلة فافتتن بها وترك الآذان ونزل إليها فقالت له: ما شأنك وما تريد فقال: أنت أريد. قالت: لا أجيبك إلى ريبة. قال لها: أتزوجك، قالت له: أنت مسلم وأبي لا يزوجني بك قال: أتنصر. قالت له: إن فعلت أفعل فتنصر ليتزوج بها وأقام معهم في الدار فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط فمات فلا هو فاز بدينه ولا هو تمتع بها. نعوذ بالله من مكره وسوء العاقبة وسوء الخاتمة.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك. فقلت: يا رسول الله إنك تكثر أن تدعو بهذا فهل تخشى قال: وما يؤمنني يا عائشة وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف شاء إذا أراد أن يقلب قلب عبد قلبه. [1] "
ولذلك -أيها الإخوة- كان من دعاء الراسخين في العلم ما ذكره الله في معرض الثناء عليهم:"ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب".
وفي الحديث الصحيح"إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها". [2]
وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل الرجل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار وإنما الأعمال بالخواتيم". [3]
يقول الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى-: فإذا كانت الهداية مصروفة، والاستقامة على مشيئته موقوفة، والعاقبة مغيبة، والإرادة غير معلومة ولا مغالبة، فلا تُعجَب بإيمانك، وصلاتك وجميع قربك فإنها من محض فضل ربك وجوده فربما سلبه عنك فوقعت في هوة الندم حيث لا ينفع الندم.
فلا تعجب بإيمانك وعملك وصلاتك وصومك وجميع قربك ذلك إن كان من كسبك فإنه من خلق ربك وفضله الدار عليك فمهما افتخرت بذلك كنت مفتخرًا بمتاع غيرك ربما سلبه عنك فعاد قلبك من الخير أخلى من جوف العير. فكم من روضة أمست وزهرها يانع عميم أضحت وزهرها يابس هشيم إذ هبت عليها الريح العقيم كذلك العبد يمسي وقلبه بطاعة الله مشرق سليم ويصبح وهو بمعصية الله مظلم سقيم ذلك تقدير العزيز العظيم.
(1) الكبائر ص 90، المنسوب للذهبي.
(2) أخرجه البخاري 4207.
(3) أخرجه البخاري 6607.