ابن آدم! الأقلام عليك تجري وأنت في غفلة لا تدري ابن آدم دع المغاني والأوتار والمنازل والديار والتنافس في هذه الدار حتى ترى ما فعلت في أمرك الأقدار [1] .
وكذا لا ينبغي -أيها الإخوة- للعبد أن ييأس من روح الله ورحمته فكما أن الأمن من مكر الله محرم وكبيرة فكذلك الإياس من روح الله والقنوط من رحمته كبيرة قال الله تعالى: ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون"فاليأس وشدة القنوط واستبعاد فرج الله ورحمته أن تدرك العبد كل هذا محرم والله -تبارك وتعالى- جعله من صفات الكافرين فقال عز من قائل:"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون""
وكيف يفعل عبد بنفسه هذا والله تعالى هو القائل:"ورحمتي وسعت كل شيء"؟ ولذلك- ولاغرو- قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن الكبائر ما هي؟ فقال: الشرك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله" [2] والحديث روه البزار وسنده حسن في صحيح الجامع وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود أنه قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله. [3] "
وفي الحديث الذي أورده الألباني في السلسلة الصحيحة:"ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل فارق الجماعة وعصى إمامه ومات عاصيا، وأمة أو عبد أبق فمات، وامرأة غاب عنها زوجها قد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده، فلا تسأل عنهم.، وثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله عز و جل رداءه فإن رداءه الكبرياء وإزاره العزة، ورجل شك في أمر الله والقنوط من رحمة الله". [4]
وإنما يقع العبد في اليأس من رحمة الله كما قدمنا بالإسراف والجرأة على محارم الله ومعاصيه فييئسه الشيطان من رحمة الله ويقنطه ويغلب على ظنه عقوبة الله وغضبه وانتقامه ويأسه من رحمته وعفوه وغفرانه.
وعلاج هذا كله في الوسطية التي شرحناها وذلك بالاعتدال بين الخوف والرجاء والمحبة وأيضًا بالاستقامة على منهج الله وطاعة رسول الله على منهج سلفنا الصالح بلا إفراط أو تفريط وكفى بالتزام السنة والبعد عن البدعة كفى بها اعتدالًا وكفى بها استقامة.
يا آلِفَ الهَمِّ، لا تَقْنَط، فأيأسُ ما ... تكونُ يأتيكَ لُطفُ اللّهِ بالفَرجِ
(1) الكبائر (ص 90)
(2) روه البزار، (106) "كشف الأستار"، وحسنه الألباني في الصحيحة (2051) .
(3) تفسير الطبري (8/ 243، 244) وأخرجه عبد الرزاق في المصنف (19701) ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (9/ 171) من طريق أبي إسحاق عن وبرة به، وأخرجه ابن أبي الدنيا في التوبة (31) من طريق الأعمش عن وبرة به.
(4) السلسلة الصحيحة - مختصرة - (2/ 81) ، ح (542) .