فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 675

ولذلك قال الله -عز وجل- لنبيه:"فاصبر صبرًا جميلًا"أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: الصبر الجميل هو ما لا شكوى فيه إلى أحد غير الله تعالى، وأخرج عن عبد الأعلى بن الحجاج أنه قال: الصبر الجميل هو ما يكون معه صاحب المصيبة في القوم حيث لا يُدرى من هو.

وقال علي رضي الله عنه: إن من إجلال الله ومعرفة حقه أن .. لا تشكو وجعك .. ولا تذكر مصيبتك.

وقال الأحنف: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة .. وما شكوت ذلك لأحد ..

يقول صاحب الظلال:"الصبر الجميل هو الصبر المطمئن الذي لا يصاحبه سخط ولا قلق ولا الشك في صدق الوعد، صبر الواثق من العاقبة، الراضي بقضاء الله وقدره، الشاعر بحكمته من وراء الابتلاء، الموصول بالله المحتسب لكل شيء عنده مما يقع به". [1]

ولذلك -أيها الإخوة- لا ينال أجر الصبر إلا من حفظ قلبه ولسانه وجوارحه عن الشكوى لغير الله أما الشكوى لله فلا حرج فيها على الإطلاق.

لأن التحقيق -أيها الإخوة- أن الشكوى نوعان: شكوى إلى الله وشكوى من الله، أما الشكوى إلى الله تعالى فلا بأس على صاحبها أبدًا ولا مؤاخذة عليه فيها، كيف وقد لجأ إليها أنبياء الله ورسله وصحابة النبي والصالحون من أمته؟.

كما قال الله -عز وجل- عن نبيه أيوب عليه السلام: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) [ص: 41، 42]

وكما قال الله -عز وجل- عن نبيه يعقوب عليه السلام: قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) [يوسف: 86]

وقال عن نبيه نوح عليه السلام: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) [القمر: 10، 11] .

وقال -عز وجل- عن نبينا - صلى الله عليه وسلم:"وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا"فهذه أيها الأحباب شكوى إلى الله وهي رجاء ودعاء ورغبة، كما قال أيضًا -عز وجل- عن زكريا عليه السلام: إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا

(1) في ظلال القرآن - (6/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت