أين الذين أحبوا الجهاد في سبيل الله فعلي إمامهم إلي الجنة.
أين الذين أحبوا الإيثار واتصفوا به فالحسين إمامهم إلي الجنة.
أين الذين خافوا الله عند المقدرة فيوسف إمامهم إلي الجنة.
أيها الإخوة! من علامات حب العبد لله: أن يكون صابرًا على المكاره، فالصبر من آكد المنازل في طريق المحبة، وألزمها للمحبين، فإنَّ بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب، يُعلم صحة محبته، ولهذا كانت محبة أكثر الناس كاذبة، لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى، فلما امتحنهم بالمكاره، ظهروا على حقيقتهم، ولم يثبت إلا الصابرون، فلولا تحمّل المشاق، وتجشم المكاره، بالصبر، لما ثبتت صحة محبتهم، انظر رعاك الله، كيف وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه، فقال عن حبيبه أيوب: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} ، ثم أثنى عليه قائلًا: {نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} ، وأمر الله أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه وأخبر أنَّ صبره به وبذلك تهون جميع المصائب فقال: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} وقال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ} وأثنى الله على الصابرين أحسن الثناء فقال: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} . ونعود فنردد ما قال سيد الصابرين صلى الله عليه وسلم: (وما أُعطي أحدٌ عطاءً خير وأوسع من الصبر) . وقال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} . فهنيئًا لهم بشارة ربهم، وهنيئًا لهم: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} " [1] "
وهذا الجزاء -أيها الإخوة- لمن صبر الصبر الجميل الذي أشرنا إليه في بداية اللقاء فمن كان كذلك حاله نال هذا الأجر والثواب والفضل، فليس كل أحد على هذه الدرجة ليس أهل البلاء كلهم سواء في تلقي أمر الله وقدره بل يختلفون في أحوالهم ويتباينون في مواقفهم.
ولذلك كان تلقي البلاء بالشكر والرضا هو محك اختبار الإيمان وبه تستبين درجة العبد ويظهر قدره كما في الحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وصححه الألبانى في الصحيحة من حديث سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه" [2] فلا ريب أن ينزل الصبر تلك المنزلة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال علي رضي الله عنه:"الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ثم قال: أما إنه لا إيمان لمن لا صبر له".
ولذا تنافس المتنافسون في تحصيل هذا الثواب العظيم من أنبياء الله والصالحين ومنهم نبي الله أيوب الذي لبث في البلاء ثمانية عشر عامًا ومع ذلك استحيا أن يسأل الله العافية حتى يكون له من النصيب في البلاء قدر ما كان له في العافية
(1) يحبهم ويحبونه - خطبة للشيخ خالد الراشد.
(2) أخرجه أحمد (1/ 172) ، والترمذي (2398) ، وصححه الألبانى في الصحيحة (143) .