وكذلك السنة النبوية حثت على ذلك ففي الحديث الذي أخرجه الطبراني وغيره بسند صحيح عن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله -عز وجل- كريم يحب الكرم ومعاليَ الأخلاق، ويُبغض سَفْسَافَها". [1]
وفي الطبراني وغيره عن فاطمة بنت الحسين عن حسين بن علي مرفوعا"إن الله يحب معالي الأمور وأشرافَها ويكره سَفْسَافها" [2]
وفي الحديث الذي أخرجه البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلاَةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ هَاجَرَ، فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ جَلَسَ فِى أَرْضِهِ الَّتِى وُلِدَ فِيهَا» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَبِّئُ النَّاسَ بِذَلِكَ. قَالَ:"إِنَّ فِى الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِى سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» [3] "
ومن معنى ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- لأم حارثة الشهيد الأنصاري الذي استشهد ببدر وقد سألته قائلة: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني، فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فليرين الله ما أصنع - تعني من البكاء وما تفعل النساء-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِىَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِى جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ» . [4]
فبمثل هذه النصوص -أيها الإخوة- رقّى القرآن والسنة همة المؤمنين ورفع إرادتهم وشد من أزرهم وعزيمتهم وأرشدهم أن يطلبوا معالي الأمور وأشرافها وأن يتركوا دونها وسفسافها، وإنما ينال من ينال هذا بالعلم فالعلم هو الدليل على كل خير وفضل وشرف، ورب رجل ظل يعمل طوال عمره عملًا لو اطلع على شيء من العلم عرف ما يجمع له حسنات ذلك العمر كله في عمل يوم وليلة فقط، بل وربما ساعة فالعلم يوفر الجهد والوقت ويوصل إلى المعالي من أقصر الطرق وحسبنا هذا الحديث الذي أخرجه مسلم عن جويرية أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ قالت: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو
(1) أخرجه أبو الشيخ في"أحاديثه" (12/ 1) و الحاكم (1/ 48) و أبو نعيم في"الحلية" (3/ 255 و 8/ 133) و السلفي في"معجم السفر" (18/ 1) ، وهو في السلسلة الصحيحة"3/ 366."
(2) أخرجه الطبراني رقم (2894) و ابن عدي (114/ 1) و القضاعي (89/ 2) ، وهو في السلسلة الصحيحة"4/ 168."
(3) أخرجه البخاري (2790) .
(4) أخرجه البخاري 3982.