ومثل هذا الذي حدث من ابن عباس حدث من ابن عمر ولكن مع من هو أوثق وشيجة وأشد قربى، فقد سئل ابن عمر عن المتعة في الحج - أي عمل العمرة ثم التحلل منها، ثم الشروع في أعمال الحج بعد هذا عند دخول وقته، فقال: هو سنة نبيكم - صلى الله عليه وسلم - فقيل: إن عمر كان ينهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: ومن عمر؟ أأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحق أن يتبع أم قول عمر؟؟!
سبحان ربي إنه لا توقير ولا احترام ولا تقدير في تقديم قول القائل كائنًا من كان وأيًّا كان على قول الله وقول رسوله بل التقدير والاحترام والتقدير كله حتى للذي كنت تريد أن تتبع رأيه أن تذهب به إلى ما قاله الله وقاله رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهل ضاع الإسلام إلا من هذا؟ فمن هنا أتينا.
يوم نحّى الناس شرع الله وتحاكموا إلى قول فلان وفلان، ورحم الله الأئمة المتبوعين الذين أرادوا أن يعلموا الناس الدرس الغالي العظيم الذي به يفلحون ويسعدون، فما منهم من أحد إلا وقد نهى عن اتباعه، والعمل بأقواله، وأمر بتجريد اتباع وطاعة الله ورسوله فيا ليت أتباعهم يعون ويسمعون ويا ليت قومي كذلك يعلمون.
وأسوق إلى حضراتكم بعض أقوالهم في هذا لعل فيها عظة وذكرى لمن يقلدهم - بل لمن يقلد اليوم من هم دونهم بدرجات تقليدًا أعمى - ويتمسك بمذاهبهم وأقوالهم كما لو كانت نزلت من السماء، فاستحلوا الربا بقول بعض هؤلاء، واستحلوا الدخان بقول آخرين، ولبست المرأة البنطال بمثل هذه التكأة والحجة الباطلة، إلى آخر هذه الأفعال الرذيلة المعتمدة على الفتاوى الهزيلة، والله -عز وجل- يقول: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلًا ما تذكرون"."
فاسمعوا: ما ذا يجب علينا أن نتبع؟ القرآن والسنة لا أقوال أشباه العلماء الذين انحرفوا عنهما ويقولون:"علقها في رقبة عالم واطلع سالم"فاسمع إذا ماذا يقول العلماء:
فأولهم الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وقد روي عنه أصحابه أقوالًا شتى وعبارات متنوعة كلها تؤدي إلى شيء واحد وهو وجوب الأخذ بالسنة وترك تقليد آراء الأئمة المخالفة لها منها قوله:
(إذا صح الحديث فهو مذهبي) . [1]
وقال -رحمه الله-: (لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه) [2]
وفي رواية: (حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدًا)
(1) ابن عابدين في"الحاشية" (1/ 63) .
(2) ابن عابدين في"حاشية على البحر الرائق" (6/ 293) .