فهرس الكتاب
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) [النساء: 60] .
ففي هذه الآيات إنكار شديد على من يرغبون ويميلون إلى التحاكم إلى غير الله -عز وجل-، وإخبار بأن ذلك شأن الكافرين والمنافقين لا شأن المسلمين المؤمنين ولذلك نفى الله -تبارك وتعالى- الإيمان عنهم إلا أن يرجعوا فيحكموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويذعنوا وينقادوا ويرضوا بحكمه.
يقول الحافظ ابن كثير:"والآية ذامة لكل من عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما سواهما من الباطل". [1]
أيها الإخوة .. إن مقتضى الإيمان: الإذعان والانقياد لأوامر ونواهي الله ورسوله، وأن لا يقول المسلم ولا يفعل إلا ما دله عليه الكتاب والسنة وهذا هو الأمر الذي أمرنا الله -تبارك وتعالى- به منبهًا في الوقت ذاته على خطورة مخالفته فقال:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) [الحجرات: 1] "
فأمر الله -تبارك وتعالى- بأن لا نقدم بين يديه ويدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال علماؤنا: ومعنى قوله تعالى:"لا تقدموا بين يدى الله ورسوله"أي: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، ولا تقولوا قولًا ولا تعملوا عملًا قبل قول الله وقبل قول وعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا الأمر يحمل التحذير من مخالفته والتنبيه على خطورته فقد سمت الآية مخالفة الكتاب والسنة تقديمًا على الله ورسوله كأن الذي ذهب يعمل بخلاف أحكام الله ورسوله قد جعل من نفسه ربًّا أو من هواه إلهًا فاتبعه على التحليل والتحريم كما قال الله تعالى:"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلًا"وقال:"أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) [الجاثية: 23] "
فلابد للمسلم إن كان صادقًا حقًا أن ينقاد لأوامر الله ورسوله وأن يخضع ويسلم ويذعن لكل ما يقتضيه عقد الإيمان والإسلام فهذا هو المحك العملي الحقيقي الذي يتبين به الوفاء بمقتضى هذا العقد أو نقضه من أساسه، فلا يمكن لأحد أن يدعي الإسلام دون الانقياد لأوامر العزيز المتعال، والانقياد -أيها الإخوة- هو إسلام الوجه لله تعالى كما عبر عنه القرآن الكريم فقال:"وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له".
وقال تعالى:"ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى".
(1) تفسير ابن كثير - (6/ 380) .