فهرس الكتاب
فهذه صيغة واحدة: (كتب عليكم) وهي تفيد تأكيد الوجوب والفرضية استعملت في القصاص وهو في القانون الجنائي، وفي الوصية وهي من الأحوال الشخصية وشئون الأسرة، وفي الصيام وهو من شعائر العبادات، وفي القتال وهو من شئون العلاقات الدولية .. وكلها مما كتبه وفرضه على المؤمنين. [1]
ولذا كان ما أقدم عليه المسلمون في هذا الزمان من تنحية شريعة ربهم، وتحكيم أهوائهم وعقولهم في حكم الحياة كما يشاءون، وما راحوا ينتهجون من طرق ومناهج الحكم التي تصطدم اصطدامًا مباشرًا مع ما يؤمنون به من الإسلام، ليحكموا بها أنفسهم، إنما هي نكبة ورزء لم يصب الإسلام وأهله قبل بمثله، فهلا أفاق المسلمون وابتدروا الرجوع قبل أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون، فلا يستطيعون الحياة الهانئة في الدنيا، بعيدًا عن الذلة التي فيها يحيون، ولاهم يوم القيامة من الفالحين، بما تجرءوا على أحكام الله فعطلوها وقوانين لأعدائه فأعملوها، هم بسببها يوم القيامة من المقبوحين!!
أيها الإخوة! إن أعظم ما تعانيه الأمة من أمراض وعلل على الإطلاق لا يضارع في خطره وشدة مصابه تعطيل شريعة الله، وما أحوج العالم كله، وليس المسلمين فحسب، إلى تنسم الحياة الهانئة يوم ترفرف راية الله على سمائهم، وذلك يوم يعملون بأوامره، ويقفون عند زواجره، ذلك يوم يحكمون كتابه، أما أن يضيعوا الكتاب ويغيبوا الشريعة عن ساحة الحياة فوا أسفاه على بني الإنسان العقلاء وعلى ملايين المسلمين منهم على وجه الخصوص.
إن تحكيم الشريعة والتحاكم إليها فريضة من أعظم الفرائض المضيعة التي تقف وراءها كل فريضة، والقضية التي تتضاءل بجوارها كل قضية. بل هي كما وصفها أحد العلماء بأنها - ونعم ما قال- القضية الأم، ولله در الإمام أبي حامد الغزالي -رحمه الله- إذ يقول:"اعلم أن الشريعة أصل، والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع". [2]
هذا هو ديننا عقيدة وشريعة وهذه هى مكانة الشريعة في دين الاسلام، فلا تقدموا بين يدي الله ورسوله وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء أيها الإخوة:
ثانيًا: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله.
قال الله تعالى:"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ"
(1) ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده (ص) ، الدكتور يوسف القرضاوي.
(2) الاقتصاد للغزالي ص 199، وينسب إلى أمير المؤمنين علي، انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح (1/ 200) .