فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 675

إنه لم يعد حينئذ ندًّا لله فحسب، بل زاد على ذلك، فجعل من نفسه محكمة عليا للتمييز، أو للنقض والإبرام، فينقض ما شاء له عقله أو هواه أن ينقض من أحكام الله، ويبرم ما شاء له أن يبرم!

إن الشيء المؤكد الذي لا خلاف عليه، وهو من المعلوم من الدين بالضرورة ـ بمعنى أنه لم يعد في حاجة إلى إقامة أدلة عليه، لأنه مما يشترك في معرفته الخاص والعام ـ أن تعاليم القرآن كلها واجبة التنفيذ، ولا فرق فيها بين ما يسمى"روحيًّا"وما يسمى"ماديًّا"، ما يعتبر من"شئون الدين"وما يعتبر من"شئون الدنيا"، ما يتعلق بحياة"الفرد"وما يتعلق بحياة"الجماعة".

أيها الإخوة! إن هذه التسميات والعناوين لا وجود لها في كتاب الله تعالى، ولا توجد فوارق معتبرة بين بعضها وبعض، ما دامت كلها في دائرة أمر الله سبحانه أو نهيه.

ومن فتح المصحف وقرأ سورة الفاتحة، ثم شرع في سورة البقرة، وجد أول ما يطالعه وصف المتقين المهتدين بكتاب الله بأنهم: (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) ، فقرن بين الجانب الاعتقادي"الإيمان بالغيب"، والجانب الشعائري"إقامة الصلاة"، والجانب الاقتصادي"الإنفاق مما رزق الله".

وهكذا نجد أوصاف المؤمنين وأهل التقوى والإحسان، في سائر سور القرآن لا تفرق بين جانب وجانب.

ومثل ذلك نجده في الأوامر والنواهي والوصايا القرآنية، مثل: الوصايا العشر في سورة الأنعام: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم .. ) إلى آخر الآيات.

ووصايا الحكمة في سورة الإسراء: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا .. ) . إلى آخر الآيات

فهذه الآيات كلها أيها الإخوة! تجمع بين العقيدة والعبادة والخلق والسلوك، مما يتعلق بالدين وما يتعلق بالدنيا، وما يتعلق بالفرد أو بالأسرة أو بالمجتمع، في سياق واحد، ونسج واحد لا ينفصل بعضه عن بعض، ولا يتميز بعضه عن بعض.

وأحيانًا يستخدم القرآن صيغة واحدة في طلب الأمور التي يعتبرها الناس مختلفة باختلاف مجالاتها، مثل قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتلى) ، (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًّا على المتقين) ، (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) ، (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت