فهرس الكتاب

الصفحة 524 من 675

نعم -أيها الإخوة- إن أول مظاهر الانقياد وأول براهين العقد الذي به يصح الإسلام أن يطيع المسلم الله ورسوله فيما أمر وأن ينتهي عن كل ما نهى الله ورسوله عنه وزجر وأن يسلم لحكم الرسول الذي هو حكم الله و يرضى به وهذا هو صريح الآية فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) [النساء: 65] يقول بعض المفسرين: يقسم الله سبحانه بذاته العلية أنه لا يؤمن مؤمن حتى يحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا هو الإسلام والإيمان .. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؟؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان! [1]

وفي البخاري عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «كُلُّ أُمَّتِى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، إِلاَّ مَنْ أَبَى» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ «مَنْ أَطَاعَنِى دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِى فَقَدْ أَبَى» . [2]

فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان بما أوجب عليه منه فإن زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلًا، وأن يكره ما يكرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه فإن زادت الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا، فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما يحب الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله فيرضي ما يرضي الله ورسوله ويسخط ما يسخط الله ورسوله ويعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض [3]

ولا شك أن من مظاهر الانقياد -أيها الإخوة- قبول شرع الله -عز وجل- ورفض ما سواه فالحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله والدين ما شرعه الله على لسان رسوله فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.

أيها الإخوة! إن من قال لا إله إلا الله يجب أن يعلم أن الحكم لله وحده وليس من حق فرد أو هيئة أو مجلس أو دولة أن تشرع للبشر من دون الله -عز وجل- فما الخلق إلا خلق الله وما دام الخلق له ولم يكن له شريك فيه وإذا كان هو الذي يرزق الناس وإذا كان هو سبحانه القائم بتدبير نظام هذا الكون وتسيير شئونه، ولم يكن له في كل ذلك من شريك وإذا كان هو -سبحانه وتعالى- وحده الذي يستحق أن يعبد بلا منازع أو شريك فهو وحده صاحب الحق في التشريع والحكم ولا مبرر مطلقًا لأن يكون أحد شريكًا له في هذا الجانب، فينبغي على العبد أن يلزم حده وأن يعرف قدره وأن لا يطغى ويجاوز حدوده ويتعدى على شئون وخصوصيات ربه فإنها الهلكة وإذا كان رجل ممن كان قبلنا أخطأ فقال كلمة لكنها كلمة عبرت عما في قلبه من كبير الكبر وعظيم البطر والأشر تجاوز بها هذا العبد حده وتدخل بها في شئون ربه فأوبقت دنياه وأخراه فما بالنا بمن غيروا حكم الله وبدلوا شرعه ونحوا قضاءه ووضعوا بدلًا

(1) الظلال 2/ 697.

(2) أخرجه البخاري 7280.

(3) فتح المجيد 398.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت