الحب ذو العصف والريحان ينبته *** من ظلمة الطين رب الحب والطينِ
والغيم من لج الأمواج يرفعه *** إلى السموات سلطان السلاطينِ
يسوق للزهر أنسامًا تهيجه *** فيرسل الزهر أنغام البساتينِ
للشمس من نوره طوق يزينها *** وللندى نسب من حوره العينِ
فقل لصاحب تاج يدعيه له *** أفقْ فإنك مسكين المساكين
أيها الإخوة! إن الله تعالى إنما أنزل الكتاب ليعمل به و بعث الرسول ليقتدى به، فأي ادعاء للإنسان يصح إذا ما انفك عن العمل بما جاءه به الرسول، ثم يقول أنا متبع له، بل أي إيمان له يحق إذا كان يقول إنه مؤمن بالله ثم يمضي ليختار لنفسه نهجًا غير الذي به أمر وشرعًا دون ما إليه أرشد؟! يقول صاحب التحرير والتنوير:"إنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدَقائق تراكيبه، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه" [1]
لقد خلق الله الجن والإنس لعبادته وأداء حقه سبحانه فيها، وقد فسر العلماء رحمهم الله العبادة بمعان من أجمعها ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إذ يقول:
العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. وهذا يدل على أن العبادة تقتضي: الانقياد التام لله تعالى، أمرًا ونهيًا واعتقادًا وقولًا وعملًا، وأن تكون حياة المرء قائمة على شريعة الله، يحل ما أحل الله ويحرم ما حرم الله، ويخضع في سلوكه وأعماله وتصرفاته كلها لشرع الله، متجردًا من حظوظ نفسه ونوازع هواه، يستوي في هذا الفرد والجماعة، والرجل والمرأة، فلا يكون عابدا لله من خضع لربه في بعض جوانب حياته، وخضع للمخلوقين في جوانب أخرى، وهذا المعنى يؤكده قول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}
وقوله -سبحانه وتعالى-: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}
(1) التحرير والتنوير (3/ 58) .